حين تستقوي النقابة بالخارج… من يدفع الثمن؟

في لحظات الارتباك والأزمات، تنجرف بعض التنظيمات النقابية إلى البحث عن ظهير خارجي، ظنًّا أن الصوت العابر للحدود أقدر على إحداث الضغط من الصوت الوطني. غير أن التجارب القريبة في منطقتنا العربية تكشف حقيقة لا تحتمل التجميل: ما يُقدَّم بوصفه “دعمًا دوليًا” قد يتحول، في لحظة فارقة، إلى عبء ثقيل يدفع ثمنه العمال قبل النقابة.

فالنقابة لم تُنشأ لتكون وسيطًا بين الداخل وأجندات الخارج، ولا منصة لتدويل الصراع الاجتماعي، بل وُجدت لتجسيد قوة العمال داخل أوطانهم، والتفاوض باسمهم، والدفاع عن حقوقهم من داخل الإطار الوطني والقانوني. وعندما تنزلق من هذا الدور، وتتحول المنصات الدولية من مساحات تضامن مهني إلى أدوات ضغط سياسي، تفقد النقابة موقعها الطبيعي، وتدخل طواعية دائرة الشك والجدل حول الشرعية والانتماء.

الإشكال لم يكن يومًا في الانفتاح على العلاقات الدولية أو التعاون النقابي العابر للحدود، فذلك جزء أصيل من العمل النقابي الحديث، وإنما الخطر كل الخطر في توقيت استخدام هذه العلاقات، وطبيعة توظيفها، وإخراجها عن إطارها المهني البحت، خاصة في لحظات سياسية شديدة الحساسية. عندها لا تعود القضية قضية شروط عمل أو حماية حقوق، بل يُعاد تعريف الصراع برمّته باعتباره صراع سيادة لا صراع عدالة اجتماعية.

وحين يحدث هذا التحول، تخسر النقابة جوهر قوتها. فالدولة لا ترى فيها شريكًا اجتماعيًا، والعمال لا يعودون يرونها ممثلًا صادقًا عن همومهم اليومية، ويتحول الخطاب النقابي من أداة إصلاح إلى مادة استقطاب وصدام. والأسوأ أن النقابة، بدل أن تنتزع مكاسب، تجد نفسها محاصرة سياسيًا ومجتمعيًا، وقد أُغلقت أمامها مسارات التأثير الحقيقي.

لقد صُوِّر هذا النموذج، في لحظة ما، على أنه “النموذج المتقدم” للعمل النقابي، وأن الاستقواء بالخارج هو الطريق الأسرع لفرض المطالب. غير أن هذا الطرح كان — ولا يزال — قراءة سطحية لتوازنات الواقع. وقد كان واضحًا منذ البداية أن هذا المسار يقود إلى دوامة معقدة، تبدأ بفقدان الثقة، ولا تنتهي إلا بتآكل الدور، وربما السقوط الكامل في عزلة لا نجاة منها.

فالنقابة التي تُعلّق آمالها على الخارج، تُضعف الداخل أولًا.

والنقابة التي تراهن على الضغط الدولي، تخسر الرهان على وعي وقوة عمالها.

أما النقابة الوطنية الحقيقية، فهي التي تعرف أن الإصلاح الصعب من الداخل، وإن طال، أكرم وأبقى من مكسب سريع مدفوع بثمن السيادة والانتماء.

بقلم عبد المنعم الجمل

رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر