✍ بقلم: عبد المنعم الجمل | رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر
في اللحظات الصعبة، لا تكشف الأزمات فقط قوة الدول… بل تكشف أيضًا حقيقة المواقف، وتسقط كثيرًا من الأقنعة والشعارات التي يرددها البعض لسنوات دون أن يكون لها أي انعكاس حقيقي على الأرض.
فالوطنية ليست «لافتة» تُرفع وقت الحاجة… وليست كلمات محفوظة تُقال أمام الكاميرات… وليست ادعاءات جاهزة يتم استخدامها لتحقيق حضور أو مكاسب أو صناعة بطولات وهمية.
الوطنية الحقيقية تظهر في المواقف. تظهر في الانحياز للدولة وقت التحديات. تظهر في احترام مؤسسات الوطن. تظهر في الحفاظ على تماسك المجتمع، لا في تغذية الانقسام والكراهية والتشكيك الدائم.
ومن المؤسف أن نجد بعض الكيانات أو المجموعات التي تتحدث صباحًا ومساءً باسم «العمال» و«الوطن» و«الحقوق»، لكنها تتعمد الغياب الكامل عن أي مناسبة وطنية تخص هذا الشعب أو هذا الوطن.
لا كلمة تهنئة في انتصار. لا رسالة دعم في أزمة. لا تقدير لجيش يحمي حدود الدولة. لا احترام لشرطة تتحمل أعباء المواجهة الداخلية. لا حتى محاولة لإظهار أي حالة اصطفاف وطني في لحظة تحتاج فيها الدولة لكل صوت مسؤول.
وكأن الوطنية لديهم مرتبطة فقط بالاعتراض… وكأن علاقتهم بالدولة لا تظهر إلا في لحظات الهجوم أو التشكيك أو صناعة السخط.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل يمكن لمن لا يشعر بالانتماء الحقيقي للدولة أن يدّعي تمثيل عمالها؟ وهل يمكن لكيان يفصل دائمًا بين العامل ووطنه أن يفهم طبيعة الحركة العمالية الوطنية؟
عمال مصر عبر تاريخهم لم يكونوا جماعة منعزلة عن وطنهم، ولم يكونوا يومًا أداة للهدم أو الفوضى أو التحريض. بل كانوا دائمًا جزءًا من معارك البناء والتنمية والإنتاج، وشريكًا رئيسيًا في الحفاظ على استقرار الدولة المصرية.
فالعامل المصري يدرك جيدًا أن: لا حقوق بدون دولة. ولا استثمار بدون استقرار. ولا أجور أو حماية اجتماعية أو تنمية في ظل الفوضى أو إسقاط المؤسسات.
ولهذا ظل عمال مصر، في أصعب الظروف، منحازين لفكرة الدولة الوطنية، ومدركين أن الحفاظ على الوطن ليس قضية سياسية تخص طرفًا دون آخر، بل مسؤولية جماعية ترتبط بحياة الناس ومستقبل أبنائهم.
ولا يعني ذلك أبدًا رفض النقد أو الاختلاف. فالنقد الوطني المحترم حق مشروع، بل ضرورة أحيانًا للتصحيح والتطوير. لكن هناك فارق كبير بين النقد بهدف الإصلاح… وبين الهجوم الدائم بهدف التشويه وإضعاف الثقة ونزع الانتماء.
هناك فارق بين من يختلف لأنه يريد الأفضل لوطنه… وبين من لا يرى في الوطن إلا منصة للصراع أو وسيلة لتحقيق حضور سياسي أو إعلامي.
والأخطر من ذلك، أن بعض هذه الكيانات تحاول دائمًا احتكار الحديث باسم العمال، رغم أنها بعيدة تمامًا عن وجدان العمال الحقيقيين، وعن طبيعة المجتمع المصري، وعن مفهوم الدولة الوطنية الذي يؤمن به أغلب أبناء هذا الشعب.
فالوطنية ليست عيبًا. واحترام الجيش ليس نفاقًا. ودعم مؤسسات الدولة وقت الخطر ليس تراجعًا عن الحقوق. بل إن أعظم الحركات النقابية في العالم كانت دائمًا جزءًا من حماية أوطانها واستقرار مجتمعاتها، لأنها تدرك أن انهيار الدولة لا ينتج حرية… بل ينتج فوضى يدفع ثمنها العمال أولًا.
ومن حق الجميع أن يختلف… لكن ليس من حق أحد أن يحتكر الوطنية بينما لا يقدم أي موقف وطني حقيقي. وليس من حق أحد أن يتحدث باسم العمال بينما يتجاهل وجدان هذا الشعب وهويته وانحيازه الطبيعي لوطنه وجيشه ومؤسساته.
في النهاية… قد يستطيع البعض خداع الناس بالشعارات لبعض الوقت… لكن المواقف دائمًا هي التي تكشف الحقيقة.
فالوطنية لا تُقاس بالصوت العالي… ولا بعدد البيانات… ولا بحجم الهجوم على الدولة.
الوطنية تُقاس: بالموقف وقت الشدة، وبالانحياز للاستقرار، وبالقدرة على الجمع بين الدفاع عن الحقوق والحفاظ على الوطن.
أما الذين لا يظهرون إلا وقت الهجوم، ويختفون في كل لحظة وطنية، فعليهم أولًا أن يراجعوا علاقتهم الحقيقية بهذا الوطن… قبل أن يمنحوا أنفسهم حق الحديث باسمة او باسم عماله.
















