هل تستطيع منظمة العمل الدولية تجاوز أزمتها المالية؟

بقلم: عبد المنعم الجمل
رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر

في خضم الأزمات الاقتصادية المتلاحقة التي يشهدها العالم، قد تبدو الأزمة المالية التي تواجهها منظمة العمل الدولية للبعض مجرد قضية إدارية أو مالية تخص إحدى وكالات الأمم المتحدة.

لكن الحقيقة أن الأمر يتجاوز ذلك بكثير، فهذه الأزمة تمس بشكل مباشر مستقبل ملايين العمال وأسرهم في مختلف دول العالم.

منظمة العمل الدولية ليست مؤسسة بيروقراطية تقليدية بل هي واحدة من أهم المؤسسات الدولية التي أسهمت على مدار أكثر من قرن في ترسيخ مبادئ العدالة الاجتماعية والعمل اللائق والحوار الاجتماعي. ومن خلالها جرى تطوير معايير العمل الدولية التي أصبحت مرجعا للدول وأصحاب الأعمال والعمال في بناء علاقات عمل أكثر توازنا واستقرارا.

اليوم تواجه المنظمة تحديا حقيقيا نتيجة تراكم الضغوط المالية الناتجة عن تأخر بعض الدول في سداد مساهماتها الإلزامية إلى جانب التأثيرات المستمرة للتضخم العالمي وارتفاع تكلفة تنفيذ البرامج والمشروعات.

وقد يبدو هذا الأمر في ظاهره شأنا ماليا لكنه في جوهره ينعكس على قدرة المنظمة في دعم الدول النامية وتطوير مهارات العمال، وتعزيز أنظمة الحماية الاجتماعية ومساندة جهود الانتقال العادل نحو اقتصاد أكثر استدامة.

ومن واقع مسؤوليتنا النقابية فإننا ننظر إلى هذه الأزمة باعتبارها اختبارا حقيقيا لمدى التزام المجتمع الدولي بقيم العدالة الاجتماعية التي يتحدث عنها الجميع. فحين تتراجع الموارد المخصصة لدعم العمل اللائق، يصبح العمال هم أول من يدفع الثمن، خاصة في الدول التي لا تزال تواجه تحديات كبيرة في التشغيل والحماية الاجتماعية وتنمية المهارات.

إن معالجة الأزمة لا يجب أن تقتصر على إجراءات تقشفية أو تخفيض للبرامج، وإنما تتطلب رؤية أوسع تقوم على تعزيز التضامن الدولي وتحمل الدول الأعضاء لمسؤولياتها كاملة. كما أن الوقت قد حان لبحث آليات مبتكرة ومستدامة لتمويل برامج المنظمة بما يحافظ على استقلاليتها ويضمن استمرار رسالتها.

وفي تقديري فإن الحوار بين الحكومات وأصحاب الأعمال والعمال يظل الأداة الأهم لتجاوز هذه المرحلة. فالعالم يتغير بسرعة غير مسبوقة تحت تأثير التحولات التكنولوجية والرقمية والبيئية وهو ما يفرض الحاجة إلى مؤسسة دولية قوية وقادرة على مواكبة هذه المتغيرات وحماية حقوق الإنسان في عالم العمل.

لقد أثبتت التجارب أن الأزمات الكبرى يمكن أن تكون أيضا فرصا لإعادة البناء والتطوير.

ومن هنا فإن الأزمة المالية الحالية يجب أن تدفعنا إلى التفكير في مستقبل منظمة العمل الدولية ودورها خلال العقود المقبلة لا أن تكون سببا في إضعافها أو تقليص تأثيرها.

إن الدفاع عن قوة منظمة العمل الدولية ليس دفاعا عن مؤسسة دولية فحسب بل هو دفاع عن حق كل عامل في فرصة عمل لائقة وأجر عادل، وحماية اجتماعية وبيئة عمل آمنة. وفي عالم تزداد فيه التحديات وتتسع فيه الفجوات الاجتماعية تبقى هذه الرسالة أكثر أهمية من أي وقت مضى.