الحركة النقابية المصرية ودورها في القضايا الوطنية

الحديث عن الحركة النقابية المصرية لا يمكن ان يبدأ من الاتحاد العام لنقابات عمال مصر فقط، لان الاتحاد العام الذي تأسس في عام 1957 لم يكن هو بداية الحركة النقابية وانما جاء بعد سنوات طويلة من محاولات العمال لتنظيم صفوفهم وتكوين كيانات تجمع النقابات وتدافع عن مصالحهم، وهذه نقطة مهمة عند الحديث عن تاريخ الحركة النقابية المصرية، فالحركة العمالية في مصر لها جذور ترجع الى اواخر القرن التاسع عشر ومع ظهور عدد من التجمعات والنقابات العمالية بدأت تتشكل لدى العمال فكرة ان الدفاع عن حقوقهم لا يمكن ان يكون عملا فرديا وانما يحتاج الى تنظيم وتضامن.

ومع بداية القرن العشرين اتسعت الحركة العمالية وبدأ العمال يدخلون بصورة اوضح في الحياة العامة ولم تكن قضاياهم منفصلة عن القضايا التي كان يعيشها المجتمع المصري في ذلك الوقت، وجاءت ثورة 1919 لتكشف بشكل واضح عن الدور الذي يمكن ان يقوم به العمال في القضايا الوطنية.

فالعمال شاركوا في الاضرابات والتحركات التي صاحبت الثورة وكان توقف العمل في عدد من المصانع والمرافق ووسائل النقل واحدا من اشكال الضغط على الاحتلال، وهنا ظهرت حقيقة مهمة، العامل المصري لم يكن بعيدا عن قضية وطنه كان يدافع عن لقمة عيشه وحقوقه وفي الوقت نفسه كان يشعر ان استقلال بلده وكرامتها قضية تخصه بشكل مباشر، وفي عام 1921 ظهرت تجربة الاتحاد المصري للعمال وهي واحدة من اهم المحطات المبكرة في تاريخ التنظيم الاتحادي للعمال في مصر.

ولم تكن هذه التجربة منفصلة عن الظروف التي كانت تعيشها البلاد في ذلك الوقت، فالعمال كانوا قد بدأوا يدركون ان النقابة الواحدة مهما كان دورها تظل محدودة اذا كانت كل نقابة تعمل بمفردها وان القضايا الكبيرة تحتاج الى تجمع اكبر يوحد المواقف ويقوي صوت العمال.

ومن هنا توالت بعد ذلك محاولات انشاء اتحادات عمالية خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، بعض هذه التجارب استمر لفترة وبعضها تعثر وبعضها لم يستطع ان يحقق الاستمرار المطلوب، لكن المهم ان فكرة الاتحاد لم تختف، بل ظلت موجودة وتطورت مع تطور الحركة العمالية نفسها.

وهذا يؤكد ان قيام الاتحاد العام لنقابات عمال مصر في عام 1957 لم يكن قرارا منفصلا عن تاريخ طويل وانما كان نتيجة طبيعية لتجارب ومحاولات سبقت ذلك بسنوات طويلة، وفي الجانب الاخر كانت هناك معركة لا تقل اهمية عن معركة بناء التنظيم نفسه وهي معركة الاعتراف بالنقابات.

فالعمال كانوا ينظمون انفسهم ويطالبون بحقوقهم في وقت لم يكن فيه الاعتراف القانوني بالنقابات قد استقر بالشكل المعروف حاليا، وجاء القانون رقم 85 لسنة 1942 ليشكل مرحلة مهمة في هذا الطريق حيث تم الاعتراف بالنقابات العمالية قانونا، وهذا التطور لم يأت من فراغ، كان وراءه تاريخ من المطالب والتحركات العمالية التي جعلت مسألة التنظيم النقابي واحدة من القضايا المطروحة على الدولة والمجتمع.

ومع مرور الوقت لم تعد الحركة العمالية تنظر الى قضايا الاجور وظروف العمل باعتبارها قضايا منفصلة عن قضايا المجتمع، فالاستقلال والتنمية والعدالة الاجتماعية والعمل كانت كلها موضوعات مرتبطة ببعضها، والعامل الذي يطالب بحقوقه كان في الوقت نفسه يرى نفسه جزءا من مجتمع يريد ان يتقدم، ولهذا لم يكن غريبا ان نجد الحركة العمالية حاضرة في عدد من المحطات الوطنية المهمة في تاريخ مصر.

ومع ثورة يوليو 1952 دخلت البلاد مرحلة جديدة تغيرت فيها الكثير من الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وكان للعمال موقع مهم في هذه المرحلة، وتزايدت الحاجة الى وجود تنظيم نقابي اكثر قدرة على جمع النقابات وتوحيد جهودها والتعبير عن العمال في اطار عام، الى ان جاءت اللحظة المهمة في 30 يناير 1957 بقيام الاتحاد العام لنقابات عمال مصر.

وهنا يجب ان نضع الامور في مكانها الصحيح، الاتحاد العام لم يبدأ الحركة النقابية المصرية، لكنه مثل نقطة مهمة في مسيرتها، قبله كانت هناك نقابات، وقبله كانت هناك اتحادات، وقبله كانت هناك محاولات عديدة لجمع الحركة العمالية في كيان واحد.

لكن عام 1957 كان بداية مرحلة جديدة في التنظيم النقابي المصري، ومن الخطأ ايضا ان نفهم الدور الوطني للحركة النقابية على انه يعني ان النقابات تترك مهمتها الاساسية في الدفاع عن العمال .. العكس هو الصحيح .. النقابة التي تدافع عن العامل وتحافظ على حقوقه وتعمل على تحسين ظروفه تساهم في استقرار المجتمع، والعامل الذي يشعر ان حقه محفوظ وان كرامته مصانة يكون اكثر قدرة على العمل والانتاج والمشاركة.

ولهذا فان الدفاع عن حقوق العمال والمصلحة الوطنية ليسا طريقين متعارضين، بل يمكن ان يكونا جزءا من هدف واحد عندما يكون العمل النقابي قائما على المسؤولية والوعي، والتاريخ المصري مليء بالشواهد على ان العمال لم يكونوا مجرد متفرجين على الاحداث.

شاركوا في الحركة الوطنية، ودافعوا عن الاستقلال، وطالبوا بالاعتراف بحقوقهم، وساهموا في الضغط من اجل تشريعات العمل، وحاولوا بناء تنظيماتهم رغم الظروف الصعبة التي مرت بها الحركة النقابية.

ومن هنا تأتي اهمية قراءة تاريخ الحركة النقابية المصرية بعيدا عن الاختصار الذي يجعل كل التاريخ يبدأ في عام 1957، فالحكاية اقدم من ذلك بكثير، والاتحاد العام هو جزء من هذه الحكاية، والنقابات العامة واللجان النقابية الموجودة اليوم هي امتداد لمسيرة بدأها عمال ونقابيون قبل أجيال.

وقد تختلف الظروف وتتغير القوانين وتتغير اشكال العمل لكن يبقى هناك شيء ثابت، وهو ان العامل عندما يدرك قيمة التنظيم يستطيع ان يكون له صوت، وعندما تتوحد النقابات تصبح اكثر قدرة على الدفاع عن مصالح أعضائها، وعندما تفهم الحركة النقابية دورها الوطني بشكل صحيح تستطيع ان تجمع بين الدفاع عن العامل والمشاركة في قضايا بلدها.

وهذا هو الدرس الذي يجب ان نقرأه من تاريخ الحركة النقابية المصرية، ليس المطلوب ان نعيش على امجاد الماضي، لكن المطلوب ان نعرف ماذا قدم السابقون وماذا نجحوا فيه وماذا اخطأوا فيه حتى لا نكرر الأخطاء.

تاريخ الحركة النقابية المصرية لم يكن دائما سهلا، كان فيه نجاح وتعثر ووحدة واختلاف وقوة وضعف، لكن اهم ما فيه ان الحركة استمرت، ومن تجربة الى تجربة ومن جيل الى جيل ظل وجود التنظيم النقابي جزءا من الحياة المصرية.

ولهذا فان الاتحاد العام لنقابات عمال مصر عندما يتحدث عن تاريخه لا يتحدث فقط عن تاريخ مؤسسة، بل يتحدث عن تاريخ عمال شاركوا في بناء بلدهم ودافعوا عن حقوقهم وكان لهم حضور في محطات مهمة من تاريخ مصر.

وهذا التاريخ ليس ملكا لجيل معين، هو ملك للحركة العمالية كلها، والمسؤولية اليوم ان نحافظ عليه ونستفيد من دروسه ونضيف اليه بما يخدم عمال مصر وبلدنا، لان الحركة النقابية التي كان لها حضور في قضايا الوطن في الماضي مطالبة اليوم ايضا بأن يكون لها حضور حقيقي في قضايا العمل والانتاج والتنمية والعدالة الاجتماعية.

وتبقى القاعدة الاساسية واضحة، نقابة قوية تعني عاملا قويا، وعامل قوي يعني اقتصادا اقوى، واقتصاد قوي يعني وطنا اكثر قدرة على مواجهة تحدياته.

وهكذا يظل تاريخ الحركة النقابية المصرية جزءا من تاريخ مصر نفسه، تاريخ بدأ قبل الاتحاد العام بسنوات طويلة، وتواصل مع قيام الاتحاد، وما زال مستمرا بما يحمله كل جيل من مسؤولية تجاه عماله وتجاه وطنه.