في 13 أبريل 1960 وصلت الباخرة المصرية كليوباترا التابعة للجمهورية العربية المتحدة إلى ميناء نيويورك ورست في الرصيف رقم 16 بنهر إيست وكانت تحمل شحنة من البضائع المصرية من بينها القطن المصري، لكن الباخرة لم تجد في استقبالها عمال الميناء لتفريغ حمولتها وإنما وجدت عمالا أمريكيين يرفعون راية المقاطعة، فقد فرض اتحاد البحارة الدولي واتحاد عمال الموانئ الأمريكيين حصارا نقابيا على الباخرة ورفض العمال تفريغ حمولتها احتجاجا على سياسة الجمهورية العربية المتحدة تجاه السفن الأمريكية التي تتعامل مع إسرائيل وعلى القيود المفروضة على الملاحة الإسرائيلية في قناة السويس.
ولم يكن الأمر مجرد احتجاج عابر فقد استمر عمال الميناء في منع تفريغ الباخرة وأقيمت حولها خطوط احتجاج لمنع أي محاولة للتعامل معها، وفي 20 أبريل 1960 رفض قاض اتحادي أمريكي التدخل لوقف الاعتصام النقابي حول كليوباترا بعدما كانت الشركة المالكة قد لجأت إلى القضاء في محاولة لرفع المقاطعة، وفي 21 أبريل تقدمت الجمهورية العربية المتحدة باحتجاج رسمي إلى وزارة الخارجية الأمريكية واعتبرت ما يجري تمييزا غير عادل ضد السفن المصرية وحذرت من تأثيره على العلاقات المصرية الأمريكية.
لكن القضية لم تعد قضية باخرة مصرية عالقة في ميناء أمريكي، في 26 أبريل 1960 اجتمع اتحاد العمال العرب في القاهرة واعتبر مقاطعة كليوباترا عملا يستهدف الدول العربية وليس مصر وحدها واتخذ العمال العرب قرارا بالرد من خلال مقاطعة السفن الأمريكية في الموانئ العربية، وهنا ظهر الدور الحقيقي للتضامن النقابي العربي، فقد تحولت القضية من رصيف في نيويورك إلى موقف امتد عبر الموانئ العربية وشارك فيه عمال من مصر وسوريا ولبنان والعراق وليبيا وتونس واليمن والسعودية والكويت وغيرها.
وفي 29 أبريل 1960 كان التصعيد قد وصل إلى مرحلة أعلنت فيها الحركة العمالية العربية استعداد نحو عشرين ألفا من عمال الموانئ في عشرين ميناء عربيا لمقاطعة السفن الأمريكية إذا استمرت مقاطعة كليوباترا وهو ما وثقته سجلات الكونجرس الأمريكي في ذلك الوقت.
وكانت الرسالة واضحة
إذا كان عمال أحد الموانئ يستطيعون منع سفينة عربية من تفريغ حمولتها فإن عمال الموانئ العربية يستطيعون أيضا أن يجعلوا للسفينة الأمريكية ثمنا نقابيا، لم تكن هذه المعركة مجرد صراع بين نقابتين، كانت اختبارا لمعنى التضامن العمالي العربي.
وقد كشفت الأزمة أن الحركة النقابية العربية في ذلك الوقت لم تكن تنظر إلى حدود الدولة باعتبارها نهاية مسؤوليتها وإنما كانت ترى أن ما يمس دولة عربية يمكن أن يتحول إلى قضية تضامن لدى العمال العرب جميعا.
وفي 4 مايو 1960 كانت مقاطعة كليوباترا قد دخلت يومها الحادي والعشرين فيما استمرت التحركات والاتصالات العربية مع الحكومة الأمريكية.
ثم جاءت اللحظة التي تحولت فيها القضية إلى رمز
في 7 مايو 1960 وقف الرئيس جمال عبد الناصر في المنصورة أمام حشد جماهيري كبير وأعلن انتصار العمال العرب في معركتهم من أجل الحرية والاستقلال ووجه التحية إلى العمال العرب وقدم أرفع وسام في الجمهورية العربية المتحدة إلى الاتحاد الدولي للعمال العرب تقديرا لموقفه في معركة كليوباترا.
وهكذا لم تعد كليوباترا مجرد باخرة تأخرت في ميناء نيويورك، أصبحت رمزا لمعركة أثبتت فيها الحركة النقابية العربية أن التضامن ليس بيانا يصدر ولا شعارا يرفع في المؤتمرات وإنما موقف يتخذ عندما تكون هناك قضية تستحق الدفاع عنها.
والدرس الأهم من كليوباترا أن قوة الحركة النقابية لا تقاس فقط بما تحققه داخل مواقع العمل وإنما بقدرتها على حماية مصالح العمال والدفاع عن استقلال قرارها والوقوف إلى جانب القضايا التي تراها مرتبطة بكرامة الوطن وحقوق الشعوب.
لقد بدأت الحكاية في 13 أبريل 1960 على رصيف في نيويورك، ثم انتقلت إلى القاهرة في 26 أبريل، وتحولت إلى مواجهة عمالية عربية واسعة في نهاية أبريل، ووصلت إلى لحظة التكريم والانتصار في المنصورة يوم 7 مايو 1960.
وبقي اسم كليوباترا شاهدا على مرحلة كان فيها العمال العرب يعرفون أن وحدتهم يمكن أن تصنع فارقا وأن النقابة عندما تمتلك الإرادة تستطيع أن تكون قوة حقيقية في الدفاع عن الوطن والقضايا العربي.
