حين يتحدث العمال من قلب مؤتمر العمل العربي
بقلم رئيس فريق العمال في الدورة الثانية والخمسين لمؤتمر العمل العربي.
لم تكن الدورة الثانية والخمسون لمؤتمر العمل العربي مجرد محطة دورية تنتهي بانتهاء جلساتها بل كانت مساحة حقيقية لطرح الأسئلة الكبرى حول مستقبل العمل والعامل في عالم عربي تتسارع فيه التحولات وتتزايد فيه التحديات وما ناقشناه داخل قاعات المؤتمر من قضايا ومواقف لا ينبغي أن يبقى حبيس الوثائق لأن قيمة أي مؤتمر لا تقاس بما يقال فيه فقط بل بما يتحول بعده إلى سياسات وممارسات يشعر العامل العربي بأثرها في حياته اليومية.
ومن موقع رئاسة فريق العمال في هذه الدورة كان هدفنا واضحا أن يكون صوت العامل حاضرا بقوة وأن تصل رؤيته إلى طاولة الحوار وأن تكون الحركة النقابية شريكا فاعلا في صناعة القرار لا مجرد طرف ينتظر ما يتم اتخاذه من قرارات.
وقد أكدنا خلال أعمال المؤتمر أن الحوار بين أطراف الإنتاج الثلاثة ليس ترفا ولا إجراء شكليا بل هو الطريق الأقدر إلى حلول متوازنة تحفظ حقوق العمال وتدعم الاقتصاد وتعزز استقرار سوق العمل.
نحن نؤمن أن العامل ليس عبئا على الاقتصاد وأن حقوقه ليست عائقا أمام الاستثمار وأن العدالة الاجتماعية لا تتعارض مع التنمية بل تمثل أحد شروط استدامتها.
ومن هنا جاء تركيزنا على قضايا العمل اللائق والحماية الاجتماعية وتحسين ظروف العمل وتعزيز السلامة والصحة المهنية باعتبارها حقوقا أساسية لا يجوز تأجيلها أو التعامل معها كملفات ثانوية.
كما أن التطورات التي يشهدها عالم العمل تفرض علينا استعدادا أكبر للمستقبل فالتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي وتغير أنماط الإنتاج والعمل أصبحت واقعا لا يمكن تجاهله والمطلوب ليس مقاومة التطور بل ضمان أن يكون العامل شريكا فيه وأن يحصل على التدريب والتأهيل اللذين يمكنانه من التعامل مع الوظائف الجديدة ويحميانه من أن يكون ضحية للتحول.
وقد أكدنا كذلك أن قضية المهارات يجب أن تتقدم أجندة العمل العربي لأن الاستثمار الحقيقي في المستقبل يبدأ من الإنسان ومن قدرته على التعلم والتطور ومواكبة احتياجات سوق العمل.
ولا يمكن الحديث عن مستقبل العمل دون التوقف أمام الحماية الاجتماعية فالعامل يحتاج إلى الأمان في مواجهة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية وإلى منظومة تحميه وتحمي أسرته وتمنحه القدرة على مواجهة الأزمات دون أن يفقد مصدر رزقه أو كرامته.
وفي ظل ما يشهده العالم من تغيرات مناخية أصبحت السلامة والصحة المهنية أمام مسؤوليات جديدة فالحرارة المرتفعة والظروف المناخية القاسية تؤثر مباشرة في قطاعات واسعة من العمال وهو ما يتطلب سياسات أكثر جدية في الوقاية والحماية وتوفير بيئة عمل آمنة.
وفي قلب كل ذلك ظلت القضية الفلسطينية حاضرة في موقف فريق العمال باعتبارها قضية عربية وإنسانية وحقوقية وقد أكدنا موقفنا الثابت في دعم الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة وفي مقدمتها حقه في الحرية والاستقلال وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
ومن القاهرة التي احتضنت أعمال الدورة وبرعاية كريمة من الرئيس عبد الفتاح السيسي جاءت رسالة واضحة بأن مصر تواصل دورها في دعم العمل العربي المشترك واحتضان مؤسساته وقضاياه وهو ما يستحق كل التقدير والشكر.
كما أتوجه بالتحية إلى الحكومة المصرية وإلى معالي وزير العمل حسن رداد وإلى كل من شارك في الإعداد والتنظيم وأسهم في خروج المؤتمر بهذه الصورة التي تليق بمكانة منظمة العمل العربية.
وأتوجه كذلك بالتهنئة إلى معالي الأستاذ فايز علي المطيري بمناسبة تجديد الثقة فيه وتمديد مهمته مديرا عاما لمنظمة العمل العربية وهي ثقة نأمل أن تكون دافعا إلى مزيد من العمل والتطوير وتعزيز حضور المنظمة في قضايا العمل العربي.
لقد خرج المؤتمر برسائل واضحة لكن الرسالة الأهم أن مسؤولية أطراف الإنتاج لا تنتهي بإصدار التوصيات بل تبدأ فعليا بعد انتهاء المؤتمر عندما نعود إلى مواقع العمل ومؤسساتنا ومسؤولياتنا الوطنية.
فالمطلوب اليوم أن تتحول مخرجات المؤتمر إلى برامج وسياسات وأن تتوافر متابعة حقيقية لما تم الاتفاق عليه وأن يصبح التعاون العربي في مجال العمل أكثر ارتباطا بالواقع وأكثر قدرة على مواجهة المتغيرات.
والحركة النقابية العربية أمام مسؤولية كبيرة في المرحلة المقبلة لأن العامل العربي ينتظر منها موقفا واضحا ودورا مؤثرا وقدرة على الدفاع عن الحقوق وفي الوقت نفسه المشاركة في صناعة الحلول.
نحن لا نريد نقابات تكتفي برفع المطالب بل نريد نقابات قادرة على تقديم الرؤية والمقترح والمشاركة في بناء القرار.
ولا نريد حوارا اجتماعيا ينتهي عند طاولة الاجتماعات بل نريده حوارا ينتج سياسات ويحسم قضايا ويحقق الاستقرار.
ولا نريد أن تكون العدالة الاجتماعية مجرد عنوان بل نريدها واقعا يشعر به العامل في أجره وبيئة عمله وحمايته الاجتماعية ومستقبل أسرته.
وهذا هو الدرس الأهم الذي نخرج به من الدورة الثانية والخمسين أن صوت العمال يجب أن يكون حاضرا في كل مرحلة من مراحل صناعة القرار وأن العامل يجب أن يكون شريكا في التنمية لا مجرد متلق لنتائجها وأن مستقبل العمل العربي لن يصنعه طرف واحد بل تصنعه إرادة مشتركة تجمع الحكومات وأصحاب الأعمال والعمال.
لقد انتهت الدورة الثانية والخمسون لكن مسؤوليتنا لم تنته بل بدأت الآن.
وما بين ما قيل داخل قاعات المؤتمر وما سيحدث في مواقع العمل ستكون المساحة الحقيقية لقياس نجاحنا.
فالمؤتمر الناجح ليس الذي تنتهي أعماله بالتصفيق بل الذي تبدأ بعده خطوات جادة يشعر العامل العربي بنتائجها.
وهذه هي الرسالة التي حملها فريق العمال في هذه الدورة وهذه هي المسؤولية التي نعود بها إلى مواقعنا أن يبقى العامل في قلب القرار وأن تبقى كرامته وحقوقه في مقدمة الأولويات وأن يتحول العمل العربي المشترك من توصيات إلى فعل ومن مواقف إلى نتائج ومن طموحات إلى واقع.
