كتب وآراء - الاتحاد العام لنقابات عمال مصر
الاتحاد العام لنقابات عمال مصر

كتب وآراء

إصدارات وكتابات ودراسات مرتبطة بالحركة النقابية المصرية

تعلموا المهن فالأوطان لا تبنى إلا بسواعد أبنائها .. تأملات في خطبة الجمعة وقيمة العمل والاحتراف وصناعة المستقبل

الكاتب: عبد المنعم الجمل
الصفة: رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر
جهة النشر: الاتحاد العام لنقابات عمال مصر
سنة الإصدار: الجمعة 6 نوفمبر 2026
استوقفتني خطبة الجمعة التي ألقاها فضيلة الشيخ حسين الإمام بمسجد العلي العظيم بالحي السابع بمدينة السادس من أكتوبر فقد حملت رسالة مهمة تستحق أن نتأملها ليس فقط من الناحية الدينية ولكن أيضا من زاوية واقعنا الاجتماعي والاقتصادي ومستقبل أبنائنا>

تحدث فضيلته عن حكمة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الحث على تعلم المهن واستشهد بما ينسب إليه من قول تعلموا المهنة فإنه يوشك أن يحتاج أحدكم إلى مهنة.

وتوقفت كثيرا أمام هذا المعنى الذي لا يقتصر على تعلم حرفة أو البحث عن مصدر للرزق وإنما يعبر عن رؤية بعيدة تؤكد أهمية أن يمتلك الإنسان مهارة يعتمد بها على نفسه ويكون نافعا لأسرته ومجتمعه.

وإذا كانت هذه الدعوة مهمة في الماضي فإنها اليوم أصبحت أكثر إلحاحا في عالم تتسارع فيه التكنولوجيا وتتغير فيه طبيعة المهن وتختفي وظائف وتظهر أخرى مما يجعل التعلم والتدريب وتطوير المهارات ضرورة مستمرة طوال حياة الإنسان.

ولفت انتباهي أيضا استشهاد فضيلته بموقف سيدنا زيد بن ثابت رضي الله عنه حين كلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بتعلم لغة أخرى لحاجة المسلمين إليها فتعلمها وأتقنها وأصبح يؤدي من خلالها دورا مهما في خدمة المسلمين.

وهنا تتجلى قيمة التخصص والإتقان فليس المطلوب أن يعرف الإنسان كل شيء وإنما أن يتقن ما يتعلمه ويحسن أداء ما يكلف به وأن يجعل من علمه ومهارته وسيلة لخدمة الناس.

وهذه رسالة نحتاج إليها ونحن نفكر في مستقبل العمل في مصر ونسعى إلى تغيير نظرة المجتمع إلى التعليم الفني والمهن والحرف فلا ينبغي أن يظل النجاح مرتبطا بالشهادة الجامعية أو الوظيفة المكتبية فالعامل الماهر والفني المحترف وصاحب الحرفة المتقنة يمثلون ركائز أساسية لأي نهضة صناعية واقتصادية.

وقد أثبتت تجارب الدول المتقدمة أن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان من خلال تعليمه وتأهيله وتدريبه واحترام عمله وربط مهاراته باحتياجات الإنتاج وسوق العمل.

ومن هنا فإن المسؤولية لا تقع على الشباب وحدهم بل هي مسؤولية مشتركة بين الأسرة ومؤسسات التعليم والدولة وأصحاب الأعمال ومؤسسات المجتمع المدني والحركة النقابية.

وأرى أن الاتحاد العام لنقابات عمال مصر بما يحمله من تاريخ ومسؤولية تجاه عمال مصر مطالب بأن يكون شريكا فاعلا في بناء الإنسان العامل وتطوير قدراته ومهاراته إلى جانب دوره الأصيل في الدفاع عن حقوق العمال وحماية مصالحهم.

فدور النقابات لا يتوقف عند المطالبة بالحقوق وتحسين ظروف العمل وإنما يمتد إلى دعم التدريب المهني والتأهيل المستمر ومساعدة العمال على مواكبة التطور التكنولوجي وتغير احتياجات سوق العمل.

وأؤمن بأن حماية العامل لا تتحقق فقط بالحفاظ على فرصة عمله وإنما أيضا بالحفاظ على قدرته على العمل والتطور والإنتاج حتى يظل قادرا على مواجهة تحديات المستقبل.

ونحن بحاجة إلى ثقافة مجتمعية جديدة تعيد الاعتبار للمهن والحرف وتنظر إلى التدريب باعتباره استثمارا حقيقيا في الإنسان لا مجرد دورات شكلية أو شهادات تضاف إلى الأوراق.

نريد أن يشعر كل شاب بأن إتقان المهنة مصدر للفخر والكرامة وأن العمل الشريف مهما كانت طبيعته يرفع من قيمة صاحبه وأن النجاح الحقيقي يقاس بما يقدمه الإنسان من جهد وعلم وإخلاص.

لقد أكدت لي هذه الخطبة معنى أؤمن به وهو أننا لا نستطيع أن نطالب بتوفير فرص العمل دون أن نهتم بإعداد الشباب وتأهيلهم لاقتناص هذه الفرص وصناعة فرص جديدة ولا يمكن أن نتحدث عن زيادة الإنتاج دون أن نمنح التعليم الفني والتدريب المهني والاحتراف ما يستحقونه من اهتمام.

وأجمل ما خرجت به من هذه الخطبة أن قيمة الإنسان فيما يتعلمه ويتقنه ويقدمه من نفع لغيره وأن العمل ليس مجرد وسيلة لكسب الرزق بل رسالة ومسؤولية ومشاركة حقيقية في بناء الوطن.

كل الشكر والتقدير لفضيلة الشيخ حسين الإمام على هذه الرسالة التي أعادت التأكيد على قيمة العمل وأهمية إتقان المهنة وضرورة أن تتكامل جهودنا جميعا لإعداد أجيال قادرة على صناعة المستقبل.

فالأوطان لا تبنى بالأمنيات ولا بالشعارات وإنما تبنى بالعلم والعمل والمهارة والإخلاص وسواعد أبنائها.

التصنيف: كتاب واراء