الاتحاد العام لنقابات عمال مصر ومسؤولية المستقبل العربي
عندما نتحدث عن العمل النقابي العربي لا يمكن ان نتحدث عن مصر باعتبارها طرفا من الاطراف فقط فمصر كانت دائما جزءا من قلب هذه المسيرة والاتحاد العام لنقابات عمال مصر كان حاضرا في مراحل مهمة من تاريخها ومشاركا في صياغة مواقفها والدفاع عن فكرة ان وحدة العمال العرب ليست مجرد شعار وانما ضرورة تفرضها وحدة المصالح والتحديات.
منذ البدايات كان الموقف المصري واضحا وهو ان العامل العربي لا يمكن ان يكون بعيدا عن قضايا امته وان الحركة النقابية لا تستطيع ان تحمي مصالح عمالها اذا تعاملت مع القضايا الكبرى باعتبارها شأنا محليا فقط
ولهذا جاء تأسيس الاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب عام 1956 في مرحلة كانت فيها المنطقة العربية تعيش لحظات تاريخية فارقة وكانت الحركة العمالية جزءا من معارك الاستقلال والتحرر وبناء الدولة الوطنية والدفاع عن ثروات الشعوب وحقها في تقرير مستقبلها
وكان للعمال المصريين والحركة النقابية المصرية دورهم في هذه المسيرة ولم يكن هذا الدور بحثا عن نفوذ او قيادة وانما كان تعبيرا عن ايمان حقيقي بأن التضامن بين العمال العرب قوة للجميع
واليوم وبعد عقود طويلة تغير العالم وتغيرت معه طبيعة العمل وتحدياته لكن جوهر الفكرة لم يتغير
العامل العربي ما زال يحتاج الى صوت قوي يدافع عن مصالحه وما زالت القضايا التي تواجهه تتجاوز حدود الدولة الواحدة
بل ان عالم اليوم يفرض علينا مسؤولية اكبر
فالذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا يعيدان تشكيل سوق العمل بسرعة غير مسبوقة ومهن تتغير واخرى تختفي ووظائف جديدة تظهر ولا يمكن ان نقف امام هذه التحولات بمنطق الرفض فقط كما لا يمكن ان نترك العامل يواجهها وحده
دورنا ان نضمن ان يكون العامل شريكا في هذا التحول وان يحصل على التدريب والتأهيل وان تكون له الحماية اللازمة وان لا يتحول التطور التكنولوجي الى وسيلة لزيادة البطالة او اضعاف حقوق العمال
وفي الوقت نفسه هناك تحديات اخرى لا تقل اهمية من الهجرة والعمالة الوافدة وانتقال العمال بين الدول العربية الى البطالة والحماية الاجتماعية والاجور والتدريب والعمل اللائق
وهذه كلها قضايا تحتاج الى تعاون عربي حقيقي
ومن هنا فاننا في الاتحاد العام لنقابات عمال مصر نرى ان المرحلة القادمة يجب ان تشهد انتقالا واضحا من العمل العربي المشترك كفكرة الى العمل العربي المشترك كمؤسسات وبرامج ونتائج
نحتاج الى آليات دائمة لتبادل الخبرات بين الاتحادات والنقابات العربية
نحتاج الى برامج مشتركة لتدريب العمال وتأهيلهم
نحتاج الى تنسيق المواقف في القضايا التي تمس مصالح العمال العرب
نحتاج الى رؤية عربية للتعامل مع التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي
ونحتاج الى حماية افضل للعامل العربي عندما ينتقل من سوق عمل عربي الى سوق عمل عربي اخر
كما نحتاج الى صوت نقابي عربي اكثر حضورا في المحافل الدولية حتى لا تظل قضايانا موزعة بين مواقف منفردة بينما يجمعنا الكثير من المصالح والتحديات
ومؤتمر منظمة العمل العربية في القاهرة يأتي في توقيت مهم ويمنحنا فرصة حقيقية لفتح هذا النقاش بصورة مختلفة
نحن لا نريد مؤتمرا ينتهي بانتهاء جلساته ثم تعود كل منظمة الى ملفاتها وكأن شيئا لم يحدث
نريد ان تكون القاهرة محطة لبداية جديدة
بداية يكون فيها العمل العربي المشترك اكثر واقعية واكثر ارتباطا بحياة العامل
والاتحاد العام لنقابات عمال مصر لا ينظر الى تاريخه باعتباره شهادة نعتمد عليها وانما باعتباره تكليفا ومسؤولية
فمن شارك في بناء الحركة النقابية العربية عليه ان يكون حاضرا في تطويرها
ومن حمل راية التضامن العربي في الماضي عليه ان يبحث اليوم عن الوسائل التي تجعل هذا التضامن مؤثرا في حياة العمال
وهنا اؤكد ان مصر لا تبحث عن دور لمجرد ان يكون لها دور ولا نريد ان نعيد انتاج نماذج قديمة لم تعد مناسبة للواقع
نحن نريد ان نبني على التاريخ ونستفيد من الخبرة ونفتح الباب امام جيل جديد من العمل النقابي العربي
جيل لا يكتفي بالبيانات وانما يقيس نجاحه بما يحققه
لا يكتفي بالاجتماعات وانما يخرج منها بقرارات قابلة للتنفيذ
لا يتحدث عن وحدة العمال العرب فقط وانما يترجمها الى تعاون حقيقي بينهم
العامل العربي اليوم لا يسألنا عن عدد المؤتمرات التي عقدناها ولا عن عدد البيانات التي اصدرناها
هو يسأل سؤالا ابسط واهم ماذا فعلتم من اجلي
ماذا ستفعلون عندما تتغير مهنتي بسبب التكنولوجيا
كيف ستساعدونني في الحصول على فرصة عمل جديدة
كيف ستدافعون عن حقي عندما اعمل في دولة عربية اخرى
كيف ستضمنون لي الحماية الاجتماعية
وكيف سيكون صوتي مسموعا عندما تتخذ القرارات التي تحدد مستقبلي
هذه هي الاسئلة التي يجب ان نجيب عنها
وهذه هي المعركة الحقيقية للحركة النقابية العربية
لقد كانت مصر حاضرة عند تأسيس مسيرة العمل النقابي العربي
ونحن نؤمن ان حضورها اليوم يجب ان يكون امتدادا لهذا التاريخ ولكن بعقل جديد وادوات جديدة ورؤية تتناسب مع المستقبل
فالمرحلة القادمة تحتاج الى اتحاد نقابي عربي اكثر قوة وتنسيقا وتأثيرا
وتحتاج الى ارادة حقيقية لتحويل التضامن من كلمات الى عمل
ومن هنا فان موقفنا واضح
نحن مع كل جهد صادق يعيد للعمل النقابي العربي قوته ويقرب بين الاتحادات والنقابات العربية ويدافع عن المصالح المشتركة للعمال ويحافظ على استقلال القرار النقابي ويضع العامل في مقدمة الاولويات
هذه ليست مجرد رؤية للمرحلة القادمة
انها مسؤولية تاريخية نتحملها امام العمال الذين سبقونا وامام الاجيال التي ستأتي بعدنا
فالذين صنعوا تاريخ الحركة النقابية العربية لم يتركوا لنا مكانا نجلس فيه
بل تركوا لنا راية يجب ان نحملها ونكمل الطريق
والراية لا تحافظ عليها الكلمات
تحافظ عليها المواقف والعمل والانجاز
وهذا هو ما يجب ان يكون عليه مستقبل العمل النقابي العربي
