كتب وآراء - الاتحاد العام لنقابات عمال مصر
الاتحاد العام لنقابات عمال مصر

كتب وآراء

إصدارات وكتابات ودراسات مرتبطة بالحركة النقابية المصرية

الحاجة عائشة عبد الهادي من المصنع إلى الوزارة

الكاتب: عبد المنعم الجمل
الصفة: رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر
تاريخ النشر: 25 September 2026
جهة النشر: الاتحاد العام لنقابات عمال مصر
سنة الإصدار: 2026
الحاجة عائشة عبد الهادي واحدة من الأسماء التي لها مكانها في تاريخ الحركة النقابية المصرية والحديث عنها لا يصح أن يبدأ من الوزارة لأن الوزارة كانت محطة في رحلة طويلة بدأت قبلها بسنوات.

البداية كانت من المصنع من شركة سيد للأدوية حيث عاشت سنوات من حياتها العملية وسط العمال والعمل والإنتاج وهناك عرفت معنى العمل وعرفت مشاكل العامل وعرفت أن النقابة بالنسبة للعامل ليست مجرد مكتب أو اسم على لافتة وإنما هي صوت يبحث عن صاحبه ويحاول أن يصل بمشكلته إلى من يستطيع حلها.

ومن المصنع جاءت إلى العمل النقابي وكانت البداية من القاعدة ثم جاءت الانتخابات وتوسعت المسؤوليات مع الوقت ولم يكن الطريق سهلا فقد كانت الحركة النقابية لها قياداتها وتوازناتها وكانت المرأة في ذلك الوقت تحاول أن تثبت وجودها في مواقع القيادة لكن الحاجة عائشة استطاعت أن تجد لنفسها مكانا داخل هذا التنظيم.

بدأت مسيرتها في النقابة العامة للكيماويات واقتربت أكثر من قضايا العمال ومشاكلهم وملفات قطاعها وكانت تعرف أن قوة النقابي ليست في المنصب وإنما في علاقته بالعمال وقدرته على فهم مشاكلهم والدفاع عنها.

ومع مرور السنوات اتسع حضورها وانتقلت من العمل داخل القطاع إلى الاتحاد العام لنقابات عمال مصر وهنا بدأت مرحلة مختلفة فلم تعد مسؤولة عن ملف داخل قطاع واحد وإنما أصبحت جزءا من قيادة تتعامل مع قضايا العمال على مستوى الجمهورية.

وفي انتخابات الدورة النقابية 2001 ـ 2006 كانت تشغل منصب سكرتير الاتحاد العام لنقابات عمال مصر لشؤون المرأة العاملة والطفل وكان هذا الموقع محطة مهمة في مسيرتها لأنه وضعها في قلب واحد من الملفات الأساسية للحركة النقابية وهو ملف المرأة العاملة والطفل والأسرة العمالية، ومن هذا الموقع اتسع حضورها داخل الاتحاد وأصبحت واحدة من القيادات النسائية المعروفة في التنظيم النقابي ولم يكن اهتمامها بالمرأة يعني الابتعاد عن باقي قضايا العمال فقد ظلت قريبة من ملفات العمل والتشغيل والتدريب وعلاقات العمل والقضايا الاجتماعية التي تمس حياة العامل وأسرته، ثم تدرجت بعد ذلك في مواقع القيادة حتى وصلت إلى منصب نائب رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر وهنا كانت قد قطعت شوطا طويلا داخل الحركة النقابية عاملة بدأت من المصنع ثم نقابية ثم قيادة في النقابة العامة ثم سكرتير للاتحاد لشؤون المرأة العاملة والطفل ثم نائب رئيس الاتحاد العام.

وبالتوازي مع ذلك اتسع حضورها في المحافل العربية والدولية وملفات المرأة العاملة والعمل النقابي خارج مصر وأصبح لها حضور وعلاقات مع قيادات عمالية عربية ودولية وهو جانب مهم في تجربتها لأنه أخرج تجربتها من الإطار المصري إلى مساحة أوسع، ومن هنا يمكن فهم انتقالها إلى الحكومة فعندما أصبحت عائشة عبد الهادي وزيرة للقوى العاملة والهجرة في عام 2005 لم تكن شخصية جديدة على ملف العمل وكانت قادمة من سنوات طويلة داخل الحركة النقابية لكن الوزارة غيرت طبيعة المسؤولية.

في النقابة كانت تتحدث عن مطالب العمال وتدافع عنها أما في الوزارة فأصبحت مسؤولة عن إدارة العلاقة بين العمال وأصحاب الأعمال والدولة وهذه نقلة ليست سهلة على أي قيادي نقابي لأن المطالب التي كان يطرحها من موقع النقابي أصبح عليه أن يتعامل معها من موقع الوزير وأن يوازن بينها وبين مسؤوليات الدولة واستمرار العمل والإنتاج.

وفي سنوات الوزارة ارتبط اسمها بملفات التشغيل والتدريب والعمالة غير المنتظمة والهجرة وعلاقات العمل والمرأة العاملة لكن السنوات الأخيرة من وجودها في الوزارة شهدت اتساعا واضحا في الاحتجاجات والإضرابات العمالية.

كانت هناك مطالب حقيقية تتعلق بالأجور والحوافز وظروف العمل والخصخصة وأوضاع الشركات والعمالة المؤقتة لكن المشهد بدأ يتغير والاحتجاج الذي كان يبدأ من المصنع بدأ في بعض الأحيان يتجاوز المصنع إلى الشارع وبدأت قوى سياسية وحركات شبابية تقترب من بعض هذه الاحتجاجات وتوسع من دائرة تأثيرها.

وكانت أحداث المحلة في عام 2008 من أهم المحطات في هذا التحول فقد خرج الاحتجاج من إطاره العمالي إلى مساحة أوسع من الحشد والتعبئة وارتبطت به لاحقا حركة 6 أبريل وغيرها من أشكال النشاط الاحتجاجي، ولا يصح أن نقول إن كل عامل شارك في إضراب كان جزءا من عمل سياسي كما لا يصح أن ننكر أن هناك مطالب عمالية حقيقية ومشكلات تراكمت لسنوات لكن الصورة الأوسع كانت تشير إلى أن الاحتجاجات العمالية أصبحت في بعض مراحلها جزءا من حالة احتجاج عامة أخذت تتسع قبل يناير 2011.

وهنا وجدت الحاجة عائشة نفسها أمام واحدة من أصعب مراحل حياتها فهي تعرف العمال لأنها جاءت منهم وتعرف النقابة لأنها عاشت سنوات طويلة داخلها لكنها أصبحت في الوقت نفسه ممثلة للحكومة ومسؤولة عن التعامل مع احتجاجات عمالية تتداخل أحيانا مع مشهد سياسي متسع.

أما ملف عاملات المنازل فكان من المواقف التي كشفت بوضوح عن طريقة تفكيرها فلم تكن الحاجة عائشة ضد عمل المرأة المصرية في الخارج لكنها كانت ترى أن فرصة العمل لا تعني قبول أي عمل وبأي شروط.

وفي هذا الإطار اتخذت موقفا رافضا لعمل المصريات كعاملات منازل في السعودية مؤكدة أن مصر لا تسمح بتشغيل المصريات في هذا النوع من العمل وكان موقفها يقوم على فكرة حماية العاملة وتوفير شروط عمل واضحة وضمان حقوقها وكرامتها، وفي المقابل لم تكن ضد عمل المرأة المصرية في الخارج في المجالات التي تتوافر فيها العقود والحماية القانونية وهذا الموقف يعكس جزءا من خلفيتها النقابية التي كانت تنظر إلى العامل باعتباره إنسانا له حقوق وليس مجرد رقم في سوق العمل.

وكان ملف المصريين العاملين بالخارج أيضا من الملفات الأساسية في عملها فتح أسواق جديدة أمام المصريين وفي الوقت نفسه متابعة أوضاعهم وحماية حقوقهم أما المرأة العاملة فظلت واحدة من القضايا التي صاحبت رحلتها منذ بدايتها في التنظيم النقابي وحتى الوزارة، لكن تاريخ الحاجة عائشة لا يمكن فصله عن المرحلة السياسية التي كانت تعيشها مصر فقد كانت وزيرة في السنوات الأخيرة من حكم مبارك وكانت جزءا من الحكومة في مرحلة بدأت فيها الضغوط الاجتماعية والسياسية تتزايد، ثم جاءت يناير 2011 وانتهت مرحلة الوزارة ودخلت الحاجة عائشة مرحلة مختلفة تماما تعرضت لانتقادات سياسية وإعلامية وارتبط اسمها بقضية موقعة الجمل وخضعت للمحاكمة لكن النتيجة القانونية كانت البراءة وهذه حقيقة يجب أن تظل واضحة عند الحديث عن تاريخها فالفرق كبير بين الاتهام وبين الإدانة.

وبعد خروجها من الوزارة لم تنقطع تماما عن الحياة العمالية وظلت تتحدث عن تجربتها وعن السنوات التي قضتها في المصنع وعن العمل النقابي الذي شكل جانبا كبيرا من حياتها، وعندما ننظر إلى رحلة الحاجة عائشة عبد الهادي نجد أننا أمام مسار طويل بدأ من المصنع ثم انتقل إلى النقابة ومن النقابة إلى النقابة العامة ومنها إلى الاتحاد العام ثم إلى موقع سكرتير الاتحاد لشؤون المرأة العاملة والطفل ثم إلى نائب رئيس الاتحاد ثم إلى الوزارة، وهذا التدرج هو أهم ما يجب أن يظل حاضرا عند الحديث عنها لأن اختزال تجربتها في سنوات الوزارة فقط لا يعطي صورتها كاملة كما أن اختزالها في موقف سياسي واحد لا يفسر كيف صنعت مكانتها داخل الحركة النقابية.

الحاجة عائشة عبد الهادي كانت ابنة العمل قبل أن تكون وزيرة وهذه هي النقطة التي يجب ألا تضيع في أي قراءة لتاريخها.

من المصنع بدأت الحكاية وفي النقابة صنعت مكانتها وفي الاتحاد اتسع دورها وفي الوزارة دخلت مرحلة مختلفة من حياتها وبين كل هذه المراحل بقيت واحدة من الشخصيات النسائية التي تركت بصمتها في تاريخ الحركة النقابية المصرية.

التصنيف: كتاب واراء