كتب وآراء - الاتحاد العام لنقابات عمال مصر
الاتحاد العام لنقابات عمال مصر

كتب وآراء

إصدارات وكتابات ودراسات مرتبطة بالحركة النقابية المصرية

الأخ الكبير حسين مجاور… رحلة عمر في العمل النقابي

الكاتب: عبد المنعم الجمل
الصفة: رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر
تاريخ النشر: 10 June 2026
جهة النشر: الاتحاد العام لنقابات عمال مصر

أخ كبير قبل أن يكون قياديا

حين أكتب عن الأخ الكبير حسين مجاور أشعر أنني لا أكتب عن رئيس سابق للاتحاد العام لنقابات عمال مصر ولا عن عضو مجلس شعب ولا عن قيادة نقابية فقط، أنا أكتب عن إنسان عرفته عن قرب وكان له مكان خاص في حياتي وكان بالنسبة لي أخا كبيرا سبقني في الطريق وتعلمت منه الكثير واختلفت معه أحيانا لكنني لم أفقد معه يوما الاحترام والمودة.

كانت رحلته طويلة ومليئة بالمحطات والمواقف ولم تكن المناصب فيها هي البداية ولا هي كل الحكاية فقد بدأت من المكان الذي تبدأ منه الحكايات الحقيقية في العمل النقابي من قلب المصنع ومن بين العمال.

من أسمنت طره إلى أسمنت السويس

في قطاع الأسمنت كانت خطواته الأولى من خلال اللجنة النقابية بشركة أسمنت طره ثم أسمنت السويس حيث تولى رئاسة اللجنة النقابية وهناك عاش قريبا من العمال وعرف تفاصيل حياتهم ومشكلاتهم وعرف مبكرا أن النقابة ليست منصبا وإنما مسؤولية.

كان العامل عندما يأتي إلى نقابته يأتي وفي ذهنه مشكلة وفي بيته أسرة تنتظر وفي حياته حق يريد من يقف إلى جواره ولذلك كانت سنوات المصنع بالنسبة له مدرسة حقيقية تعلم فيها أن الوصول إلى الحل يحتاج إلى صبر وتفاوض وأن الاستماع للعامل أحيانا يكون أهم من الكلام باسمه.

ومن هنا بدأت شخصيته النقابية تتشكل شيئا فشيئا ومع اتساع خبرته لم يعد حضوره محصورا في المصنع وإنما امتد إلى العمل العام من خلال المجلس المحلي ثم إلى مجلس الشعب حيث أصبح عضوا لعدة دورات وتولى رئاسة لجنة القوى العاملة، وهكذا اتسعت الدائرة من العامل الذي عرفه داخل المصنع إلى قضايا العمال على مستوى التشريع والعمل العام وأصبح ما تعلمه بين العمال جزءا من تجربته داخل البرلمان.

من البرلمان إلى الاتحاد

ومع هذه الخبرة كان من الطبيعي أن تعود خطواته مرة أخرى إلى الحركة النقابية في مواقع أكبر فتدرج داخل الاتحاد العام حتى أصبح أمين صندوق الاتحاد وهناك أضاف إلى خبرته الميدانية خبرة أخرى تتعلق بالعمل المؤسسي ومسئولياته، ثم جاءت الخطوة الأكبر في مايو 2006 عندما تولى رئاسة الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، ولذلك لم تكن رئاسته للاتحاد بداية جديدة بقدر ما كانت امتدادا طبيعيا لرحلة بدأت من أسمنت طره وأسمنت السويس ومرت بالمجلس المحلي والبرلمان ولجنة القوى العاملة ثم أمانة صندوق الاتحاد.

سنوات مليئة بقضايا العمال

كانت السنوات التي تولى فيها المسئولية مليئة بالملفات العمالية فقد كانت قضايا الأجور والعلاوات ومشكلات الشركات والمفصولين والعمالة غير المنتظمة والاحتجاجات العمالية حاضرة بقوة وكان الاتحاد يجد نفسه أمام عمال لديهم مشكلات حقيقية وأسر تنتظر حلولا وأوضاع تحتاج إلى تدخل، ومن هنا تأتي أهمية المواقف التي حفظها أرشيف الصحف عن تلك الفترة لأنها تجعلنا نرى جانبا من طريقة تعامله مع الناس والمشكلات.

  • في أزمة عمال مراكز المعلومات وقف إلى جانب مطالبهم ووصل الأمر إلى إعلانه عدم تمرير الموازنة إذا لم تتم معالجة أوضاعهم.
  • وفي أزمة عمال تحسين الأراضي تدخل لحل مشكلة آلاف العمال الذين ظلوا يعملون لسنوات بنظام اليومية.
  • وعندما اعتصم عمال المعدات التليفونية داخل مقر الاتحاد جلس معهم واستمع إلى مطالبهم وتعهد بالعمل على حلها فانتهى الاعتصام.
  • وفي أزمة عمال النوبارية دخل في مفاوضات من أجل إعادة تشغيل الشركة والحفاظ على حقوق العمال.
  • وفي قضايا عمال أمنسيتو والكتان تحرك من خلال لجنة القوى العاملة لفتح الملفات ومحاولة الوصول إلى حلول.
  • كما ظل قريبا من قضايا العاملين في أسمنت طره وحلوان والسويس وهي مناطق كانت جزءا من رحلته الأولى بين العمال.

ما قرأته في الصحف وما رأيته بنفسي

ولهذا عندما أقرأ هذه المواقف اليوم لا أراها مجرد أخبار قديمة في أرشيف الصحف لأنها تقترب كثيرا من الصورة التي عرفتها عنه شخصيا، كنت أرى فيه الإنسان الذي يستمع قبل أن يحكم والذي يستطيع أن يختلف معك دون أن يحول الاختلاف إلى خصومة، وبحكم فارق السن والخبرة كانت بيننا أحيانا اختلافات في الرأي والرؤية لكنه كان صبورا.

كان يسمع حتى النهاية ثم يقول رأيه بهدوء وقد أتمسك أنا برأيي وقد يتمسك هو برأيه لكن العلاقة كانت تبقى كما هي، وهذه من أكثر الصفات التي بقيت في ذاكرتي عنه فالإنسان يستطيع أن يختلف معك ويحافظ في الوقت نفسه على احترامه لك ومحبته لك.

الإنسان وراء المنصب

ومع مرور السنوات لم تكن المواقف التي أتذكرها عنه مرتبطة بالعمل فقط فقد كانت له مواقف إنسانية كثيرة كنت شاهدا عليها مع عمال وأسر وزملاء وأشخاص لم يكن لهم نفوذ وربما لم يكن بإمكانهم أن يقدموا له شيئا ومع ذلك كان يقف إلى جوار من يحتاج إليه قدر استطاعته، وكان كثيرا ما يفعل ذلك في هدوء ودون انتظار لكلمة شكر أو صورة أو خبر.

وهنا كنت أرى الفرق بين المسؤول والإنسان

المسئول يظهر في الاجتماعات والمناسبات أما الإنسان فيظهر عندما يقف أمام شخص ضعيف لا يستطيع أن يقدم له شيئا.

من العمال المصريين إلى العمال العرب

ومع اتساع مسئولياته لم تتوقف رحلته عند حدود العامل المصري فقد بدأت علاقاته تمتد بصورة أكبر إلى الحركة العمالية العربية وأصبح حاضرا في اللقاءات والفعاليات التي تجمع الاتحادات العربية، وكان يرى أن العامل المصري جزء من حركة عمالية عربية أكبر وأن ما يجمع العمال العرب أكبر من حدود كل دولة ولذلك كانت علاقاته مع الاتحادات العربية ومع الاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب جزءا من هذه الرحلة.

وهنا بدأت الدائرة تتسع أكثر

الرجل الذي بدأ من لجنة نقابية في مصنع أسمنت أصبح بعد سنوات يتحدث باسم عمال مصر أمام قيادات عمالية عربية ويشارك في قضايا تتجاوز حدود المصنع والبلد، وكانت القضية الفلسطينية حاضرة بقوة في هذا الجانب من رحلته.

فلسطين في قلب الرحلة

ولأن القضية الفلسطينية كانت دائما حاضرة في وجدان الحركة العمالية المصرية والعربية فقد كان لها مكان خاص في رحلة الأخ الكبير حسين مجاور، لم يكن ينظر إليها باعتبارها قضية بعيدة عن العمل النقابي وإنما قضية شعب وعمال يعيشون تحت ظروف صعبة ويحتاجون إلى أن يكون صوتهم واحدا في المحافل العربية والدولية، ومن هنا جاءت علاقته بالحركة النقابية الفلسطينية وحرصه على أن تظل مصر مساحة تجمع ولا تفرق وأن تكون القاهرة بيتا مفتوحا للعمال الفلسطينيين.

وكان من المواقف التي أعتز بها في هذه الرحلة تبنيه لفكرة عقد مؤتمر للاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين في القاهرة يجمع ممثلي غزة والضفة الغربية ويمنح الحركة النقابية الفلسطينية فرصة للجلوس معا والتحدث بصوت واحد.

وكان معنى هذه الخطوة أكبر من مجرد عقد مؤتمر

ففي وقت كانت فيه الظروف السياسية والجغرافية تجعل التواصل بين أبناء الحركة النقابية الفلسطينية أمرا صعبا كانت القاهرة بالنسبة له قادرة على أن تفتح الباب أمام لقاء يجمع الجميع، وهذا الموقف يعبر عن شخصية الأخ الكبير حسين مجاور كما عرفتها فهو كان يرى أن النقابة يمكن أن تكون مساحة للقاء حتى عندما تكون الظروف قد جعلت اللقاء صعبا وأن العامل الفلسطيني في غزة هو نفسه أخوه العامل الفلسطيني في الضفة، ولهذا كانت فلسطين بالنسبة له أكثر من ملف في اجتماع أو بند في مؤتمر.

كانت قضية حاضرة في القلب

وكان يرى أن العامل الفلسطيني يجب ألا يشعر أنه وحده وأن الحركة العمالية المصرية والعربية عليها مسؤولية أخلاقية ونقابية تجاهه.

من القاهرة إلى المحافل الدولية

ومع اتساع علاقاته العربية اتسعت كذلك دائرة التواصل مع الاتحادات والمنظمات النقابية الدولية وأصبحت قضايا العمال العرب وفلسطين حاضرة في هذا المجال، وكان معنى هذا الدور بالنسبة لي أن النقابي لا يقاس فقط بقدرته على حل مشكلة داخل شركة أو مصنع وإنما أيضا بقدرته على أن يجعل صوت عمال بلده مسموعا عندما يجلس إلى جانب عمال وقيادات من دول أخرى، وهكذا أصبحت الرحلة أكبر من مجرد انتقال من منصب إلى منصب، كل محطة كانت تضيف شيئا إلى المحطة التي بعدها، وكل تجربة كانت توسع دائرة الناس الذين يحمل مسئوليتهم.

أحداث 25 يناير والمحنة

ثم جاءت أحداث 25 يناير لتفتح صفحة مختلفة وتغير أشياء كثيرة في مصر وتغير معها المشهد الذي عاش فيه الأخ الكبير حسين مجاور سنوات طويلة، وبعدها جاءت قضية موقعة الجمل وكانت واحدة من أصعب المحطات في حياته فوجد نفسه أمام اتهام ومحاكمة في وقت شديد الحساسية بعد سنوات كان فيها في مقدمة العمل النقابي والبرلماني.

ثم انتهت القضية ببراءته

وعندما أتذكر تلك الفترة لا أتذكر القضية وحدها وإنما أتذكر الإنسان الذي مر بالمحنة وأتذكر صبره وهدوءه وقدرته على تحمل ظروف لم تكن سهلة، وهنا تتراجع كل المناصب إلى الخلف ويبقى الإنسان وحده هو الحاضر في الذاكرة.

رحلة عمر لا تختصرها المناصب

عندما أنظر إلى رحلة الأخ الكبير حسين مجاور كاملة أراها رحلة بدأت من المصنع ثم اتسعت إلى العمل العام والبرلمان ثم عادت إلى الاتحاد وتدرجت داخله حتى وصلت إلى رئاسته ثم امتدت علاقاته إلى الاتحادات العربية والدولية وحملت معها قضايا العمال العرب وفلسطين ثم مرت بمرحلة صعبة بعد أحداث 25 يناير، كل محطة تركت شيئا في شخصيته وشيئا في ذاكرة من عرفوه، أما أنا فتبقى عندي صورة أبسط من كل هذه المحطات، الرجل الذي سبقني في الطريق وكانت لديه خبرة أكبر بحكم السن والتجربة والذي اختلفت معه أحيانا وتعلمت منه كثيرا وكان صبورا على اختلافي وأسئلتي ومحاولاتي للتعلم، قد يكتب المؤرخون عن حسين مجاور رئيس الاتحاد العام وعضو مجلس الشعب ورئيس لجنة القوى العاملة وأمين صندوق الاتحاد وقد يختلف الناس في قراءة بعض مواقفه أو المرحلة التي عاشها وهذا حق كل من يكتب أو يقرأ التاريخ.

أما أنا فأكتب من مكان مختلف

أكتب من مكان الأخ الأصغر الذي عرف الرجل عن قرب وشاهد بعض مواقفه وعاش معه لحظات اختلاف واتفاق ورأى منه مواقف إنسانية لا تزال حاضرة في الذاكرة، ولهذا فإن حسين مجاور بالنسبة لي ليس منصبا ولا مرحلة ولا قضية ..

هو رحلة عمر .. وهو أخ كبير .. وهو إنسان ترك أثرا في من عرفوه

وهذا الأثر هو الذي يبقى عندما تنتهي المناصب وتتغير الأيام ..

التصنيف: كتاب واراء