اسماعيل فهمي… حين يبقى الانسان بعد المنصب
لما نتكلم عن الاستاذ اسماعيل ابراهيم فهمي مش بنتكلم بس عن قيادي نقابي شغل مواقع مهمة في الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، لكن بنتكلم عن انسان عاش الحركة النقابية من جوه، وعاش تفاصيلها وتعبها وفرحها وتدرج فيها خطوة خطوة وفضل لحد النهارده قريب منها وداعم لها.
في تاريخ الحركة النقابية المصرية اسماء كتير مرت على مواقع المسئولية لكن مش كل الاسماء بتفضل حاضرة بعد ما تترك المنصب والاستاذ اسماعيل فهمي واحد من الناس اللي فضل اسمه مرتبط بالحركة وبناسها وبذكريات مراحل مهمة من تاريخها.
بدأ رحلته من مصر للطيران ومن اللجنة النقابية ثم انتخب رئيسا للجنة وبعدها انتقل الى النقابة العامة للعاملين بالنقل الجوي وتدرج في مواقع المسئولية لحد ما اصبح نائبا لرئيس النقابة العامة وعضوا في مجلس ادارة الاتحاد العام لنقابات عمال مصر.
وبعدها تولى امين صندوق مساعد بالاتحاد ثم اختير امينا لصندوق الاتحاد في دورته الاخيرة قبل ثورة 25 يناير، وده مهم جدا في قراءة تجربته لان الرجل ما جاش من بعيد وما بدأش من مكتب كبير او منصب جاهز لكنه بدأ من بين العمال ومن اللجنة النقابية وعاش مشاكلهم وهمومهم وعرف معنى انك تكون قريبا من الناس قبل ما تكون مسؤولا عنهم.
كل خطوة في مشواره كانت بتضيف له تجربة وكل موقع كان بيحمله مسئولية جديدة وده كان واحدا من ملامح جيل كامل من القيادات اللي عاشت العمل النقابي باعتباره مسؤولية قبل ما يكون منصبا.
واللافت ان تجربته وصلت الى موقع امين صندوق الاتحاد وهو موقع مهم وحساس وكان اختيارا يعكس الثقة التي حصل عليها داخل التنظيم النقابي.
وفي عام 2011 جاءت مرحلة مختلفة تماما
بعد ثورة 25 يناير اختير اسماعيل فهمي وزيرا للقوى العاملة والهجرة في حكومة الدكتور احمد شفيق، وتولى الوزارة خلال الفترة من 22 فبراير الى 6 مارس 2011، في وقت كانت فيه مصر كلها تعيش حالة من التغيير والقلق وكانت الحركة النقابية نفسها امام مرحلة صعبة وغير واضحة.
وكان خروجه من الوزارة في ذلك التوقيت بداية لمرحلة جديدة في علاقته بالحركة النقابية فقد عاد الى الاتحاد العام في وقت كانت فيه المؤسسة نفسها تواجه ظروفا شديدة التعقيد، وفي ابريل 2011 وبعد حبس رئيس الاتحاد وقتها حسين مجاور على ذمة التحقيقات كان لابد من التعامل مع الموقف بما يحافظ على استقرار الاتحاد ويحترم قواعده.
وهنا كان موقف الاتحاد واضحا فتم اختيار اسماعيل فهمي للقيام باعمال رئيس الاتحاد وليس رئيسا للاتحاد، والتفصيل ده مهم لان موقع حسين مجاور لم يعتبر شاغرا بصورة نهائية فالتحقيق لا يعني الادانة والمتهم يظل بريئا حتى تثبت ادانته، وكنا وقتها على يقين من براءة حسين مجاور والحاجة عائشة وكنا نرى ان ما جرى لم يكن بعيدا عن حالة من الصراع والانتقام من بعض رموز الحركة النقابية.
وكان قرار عودة اسماعيل فهمي وقيامه باعمال رئيس الاتحاد في تلك الظروف رسالة واضحة ان الحركة النقابية كانت حريصة على الحفاظ على مؤسستها وعلى قواعدها حتى في اصعب اللحظات، والاهم ان اسماعيل فهمي لم يتعامل مع الامر باعتباره فرصة للحصول على منصب جديد لكنه تحمل المسئولية في وقت صعب وقبل ان يقوم بالاعمال في مرحلة انتقالية حساسة، وده في حد ذاته بيقول كتير عن الرجل وعن الثقة اللي كانت موجودة فيه.
لان القيادة في الظروف العادية شيء والقيادة وقت الازمات شيء تاني خالص، وفي اللحظات الصعبة بتظهر قيمة الخبرة والهدوء والقدرة على تحمل المسئولية، واسماعيل فهمي كان واحدا من الناس اللي وجدوا نفسهم وقتها في قلب اختبار حقيقي للحركة النقابية.
والمرحلة دي بكل تفاصيلها ومواقفها تستحق في يوم من الايام انها تتحكي كاملة وبالوثائق وبشهادات الناس اللي عاشوها، عشان الجيل الجديد يعرف كيف تعاملت الحركة النقابية مع واحدة من اصعب مراحل تاريخها، وارتبط اسمه كذلك بمصر للطيران، حيث مثل العاملين في مجالس ادارة الشركة عدة مرات، وكان عضوا بمجلس ادارة الشركة القابضة لمصر للطيران ممثلا للعاملين، ولو حبينا نختصر مشواره هنلاقيه بدأ من العامل واللجنة النقابية، ثم رئيس لجنة ثم النقابة العامة للنقل الجوي، ثم مجلس الاتحاد العام، ثم امين صندوق مساعد، ثم امين صندوق الاتحاد، ثم وزيرا للقوى العاملة، ثم قائما باعمال رئيس الاتحاد.
وده مسار يحكي قصة قيادي جاء من ارضية العمل النقابي ووصل الى مواقع المسؤولية بالتدرج، لكن بالنسبة لي اهم حاجة في حكاية الاستاذ اسماعيل فهمي مش المناصب دي كلها، الاهم انه فضل لحد النهارده قريب من الحركة النقابية وداعم لها وكل ما نحتاج رأي او نصيحة او مشورة بنلاقي عنده خبرة السنين وهدوء الرؤية واحساس الاخ الكبير.
وده يمكن يكون اجمل ما في القيادات الحقيقية ان المنصب ينتهي لكن العلاقة ما تنتهيش وان المسؤولية الرسمية تخلص لكن الاحساس بالمسئولية تجاه الناس والحركة يفضل موجود.
بالنسبة لي الاستاذ اسماعيل فهمي مش مجرد امين صندوق سابق، ولا وزير سابق، ولا قائم باعمال رئيس الاتحاد، لكنه انسان تقدر ترجع له وتسمع منه وتستفيد من خبرته من غير ما تحس انك بتتكلم مع مسئول سابق، تحس انك بتتكلم مع اخ كبير عاش مراحل كتير وشاف ناس كتير وعرف صعوبة العمل النقابي وتقلباته وعشان كده لما ينصحك بيكون كلامه نابع من تجربة ومن حرص حقيقي، وده في حد ذاته قيمة كبيرة لان الحركة النقابية مش محتاجة بس قيادات تتولى المسئولية لكنها محتاجة كمان قيادات تفضل موجودة بخبرتها ونصيحتها ومشورتها حتى بعد انتهاء المسئولية.
وهنا تظهر قيمة الانسان قبل قيمة المنصب
فالقيادة الحقيقية مش بس انك تمسك موقع وتتركه لكن انك تفضل بعد الموقع صاحب كلمة ونصيحة ومشورة وان تفضل علاقتك بالحركة اللي عشت فيها عمرك قائمة على المحبة والاحترام.
والاستاذ اسماعيل فهمي من الناس اللي حافظوا على العلاقة دي ..
ممكن نختلف معاه في رأي، او نختلف في تقييم مرحلة، وده طبيعي، لكن صعب نختلف على قيمة الخبرة اللي يحملها، وعلى ان نصيحته نابعة من سنوات طويلة عاشها داخل الحركة النقابية، وعشان كده ما ينفعش نقيس تجربته فقط بفترة الوزارة القصيرة، او بمنصب تولاه في مرحلة من المراحل لان القيمة الحقيقية في رحلة طويلة بدأت من القاعدة ووصلت الى قمة المسؤولية وظلت بعدها العلاقة بالحركة قائمة.
والحقيقة ان تاريخ الحركة النقابية مش مجرد اسماء رؤساء او وزراء او امناء صناديق، التاريخ الحقيقي هو الناس اللي عاشوا المراحل وبنوا المؤسسات وحافظوا على وجودها وتركوا وراءهم تجربة يتعلم منها اللي جاء بعدهم، وعشان كده لما نفتكر اسماعيل فهمي نفتكر معه جيلا كاملا كان لكل واحد فيه شخصيته واسلوبه ورؤيته، لكنهم اشتركوا في حاجة مهمة وهي انهم عاشوا العمل النقابي قبل ما يصبح منصبا.
وده هو المعنى الحقيقي لقيادات الزمن الجميل مش معناها ان كل شيء كان مثاليا ولا ان الماضي كان بلا اخطاء لكن معناها اننا بنتكلم عن قيادات صنعت جزءا من تاريخ المؤسسة وعاشت معها مراحلها الصعبة قبل ما تصل الى مواقعها.
والاستاذ اسماعيل فهمي واحد من هذا الجيل واحد من القيادات اللي صنعت مكانها بالتدرج وعاشت الحركة النقابية من داخلها وظلت علاقتها بها قائمة حتى بعد انتهاء المسؤولية، والانصاف يقتضي اننا نقرا التاريخ بهدوء، لا بتقديس ولا بتصفية حسابات، وان نعطي كل رجل حقه في زمنه وظروفه، وان نتعلم من التجربة بدل ما نحاكمها بمنطق اليوم.
وبالنسبة لي يظل الاستاذ اسماعيل فهمي اخا كبيرا قبل ما يكون قيادة نقابية سابقة، احترام لتاريخه وتقدير لدوره وامتنان لدعمه المستمر ونصيحته ومشورته اللي دايما بتيجي باحساس الاخ الكبير، لانه ببساطة من الناس اللي انتهى عندها المنصب لكن ما انتهتش المسئولية ولا انتهت المحبة ولا انقطع التواصل مع الحركة النقابية.
