كتب وآراء - الاتحاد العام لنقابات عمال مصر
الاتحاد العام لنقابات عمال مصر

كتب وآراء

إصدارات وكتابات ودراسات مرتبطة بالحركة النقابية المصرية

الريس سعد محمد احمد سيرة قائد وذاكرة مرحله

الكاتب: عبد المنعم الجمل
الصفة: رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر
تاريخ النشر: 23 September 2026

المرحوم الريس سعد محمد احمد مش مجرد اسم في سجل رؤساء الاتحاد العام لنقابات عمال مصر ولا مجرد رئيس اتحاد تولى المسؤولية من يوليو 1976 حتى يونيو 1987 ولا وزير سابق للقوى العاملة والتشغيل وانما هو واحد من الشخصيات اللي لازم تتقرا في سياق مرحلة كاملة من تاريخ مصر والحركة النقابية.

الحديث عن الريس سعد يحتاج اننا نفتكر الزمن اللي عاش فيه والمرحلة اللي تولى فيها المسؤولية لانها كانت مرحلة مختلفة بكل تفاصيلها وكانت مصر فيها بتعيش تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية كبيرة وكانت القضايا الوطنية والعربية حاضرة بقوة وكان الموقف من قضايا الامة العربية والقضايا القومية جزءا من الوعي العام ومن وجدان الحركة العمالية.

وفي وسط كل ده كان العمل النقابي له معنى مختلف وكان النقابي الحقيقي مش مجرد صاحب منصب لكنه كان صاحب موقف وصاحب حضور وصاحب قدرة على التعبير عن العمال وعن القضايا اللي شغلت المجتمع.

والريس سعد كان موجود في قلب هذه المرحلة

وكانت فترة رئاسته للاتحاد واحدة من الفترات الطويلة والمؤثرة في تاريخ الاتحاد العام وهي الفترة اللي شهدت تحولات مهمة في المجتمع المصري وفي الاقتصاد وفي علاقة الدولة بالحركة النقابية وفي طبيعة القضايا التي كانت مطروحة امام العمال، وكان وجوده في موقع وزير القوى العاملة والتشغيل بالتوازي مع قيادته النقابية يعطي تجربته خصوصية كبيرة ويضعه امام مسؤولية مزدوجة بين ادارة ملف العمل من موقع الدولة والحفاظ على الدور النقابي ومصالح العمال، وده في حد ذاته كان يحتاج قدرة على الحركة وفهما لطبيعة الدولة وادواتها وفهما ايضا لطبيعة الحركة النقابية واحتياجات العمال.

والاهم ان الريس سعد لم يكن يعمل وسط فراغ نقابي

كان حوله جيل من القيادات النقابية الكبيرة التي كان لها حضورها وخبرتها وشخصيتها وكانت الحركة العمالية وقتها تضم قيادات يعرفها العمال ويعرفون مواقفها وكان للنقابي مكانة واحترام وكانت هناك مدارس مختلفة في التفكير والممارسة لكن يجمعها احساس قوي بقيمة العمل النقابي وبقيمة التنظيم وبالدور الوطني للعامل والنقابي.

وعشان كده لا يصح ان نقرأ الريس سعد منفصلا عن هذا الجيل، فالقيادة في ذلك الزمن كانت مسؤولية وسط قيادات قوية وشخصيات لها تاريخ وكان على رئيس الاتحاد ان يدير اختلافات وتوازنات وان يحافظ على وحدة التنظيم وان يتعامل مع الدولة وان يكون موجودا في القضايا الوطنية والعربية وان يحافظ في الوقت نفسه على مصالح العمال.

وكانت الدولة المركزية في ذلك الوقت لها حضور واسع وكانت مساحة الحركة العامة مختلفة عن اليوم وكانت الظروف الاقتصادية تحمل اعباء وتحديات على العمال وعلى المجتمع كله ولذلك فان تقييم تجربة الريس سعد يحتاج الى فهم دقيق للحدود التي كانت تتحرك داخلها القيادة النقابية في ذلك الزمن.

ومن الظلم ان نحاكم تلك التجربة فقط بمعايير الحاضر، كما انه من الظلم ايضا ان ننظر الى الماضي بعين التقديس لمجرد انه ماض.

القراءة المنصفة هي ان نضع الرجل في زمانه ونفهم الظروف التي احاطت به ونقرأ مواقفه في ضوء القضايا التي كانت مطروحة وقتها ثم ننظر الى ما تركه وراءه، وهنا نصل الى الفرق بين تاريخ القيادة وارث القيادة.

تاريخ الريس سعد واضح وممتد ومليء بالمحطات

رئيسا للاتحاد ووزيرا للقوى العاملة وشخصية كانت موجودة في قلب مرحلة وطنية وعربية وسياسية شديدة الحساسية، لكن الارث هو السؤال الاصعب.

      • ماذا بقي من تجربته في ذاكرة الحركة النقابية؟
      • ماذا بقي من رؤيته ومن اسلوبه ومن علاقته بالقيادات التي عاصرته؟
      • ماذا بقي من المرحلة التي كان واحدا من رموزها؟
      • وماذا يمكن للاجيال الجديدة ان تتعلمه من تجربة رجل عاش زمنا كانت فيه القيادة النقابية مسؤولية ثقيلة وليست مجرد لقب؟

وهنا ايضا يجب ان نعطي الرجل حقه، فليس كل ارث يقاس بمشروع يحمل اسم صاحبه او قرار مكتوب في وثيقة.

هناك ارث تصنعه المواقف وهناك ارث تصنعه العلاقات وهناك ارث تصنعه الخبرة وهناك ارث يبقى في ذاكرة الناس الذين عاصروا القائد وعرفوا شخصيته وطريقته ومواقفه.

والريس سعد كان جزءا من جيل ترك بصمته في الحركة العمالية المصرية في مرحلة كانت فيها القضايا الوطنية والعربية والسياسية حاضرة بقوة وكان فيها النقابي مطالبا بان يكون عاملا ومناضلا في قضايا العمال وفي نفس الوقت واعيا بقضايا وطنه وامته، وعشان كده فان انصاف الريس سعد لا يكون بترديد المناصب التي شغلها فقط ولا بتحويل تجربته الى صورة مثالية لا تقبل النقاش، انصافه الحقيقي يكون بان نقرأ تجربته كاملة، نضع انجازاته في مكانها ونفهم ظروفه ونعرف حجم المسؤولية التي تحملها ونضعه وسط الجيل النقابي الذي عاصره ثم نسأل السؤال الذي يبقى بعد كل القيادات:

ماذا ترك الريس سعد

لان التاريخ يحفظ الاسم والمنصب والتاريخ الزمني، لكن الارث هو ما يبقى في الذاكرة وما يمكن ان تتعلم منه الاجيال، وفي النهاية الريس سعد محمد احمد لم يكن مجرد رئيس اتحاد سابق.

كان ابن مرحلة وواحدا من رموزها وشاهدا على تحولات مهمة في تاريخ مصر والحركة النقابية، ومهما اختلفت الرؤى حول بعض مواقفه او تقييم بعض مراحل تجربته فان مكانته لا تختزل في قرار ولا في منصب ولا في فترة زمنية، فبعض الشخصيات لا يكون تاريخها مجرد صفحات في الماضي، لكنها تصبح جزءا من ذاكرة مرحلة كاملة.

وهنا تكمن قيمة الحديث عن الريس سعد

ليس فقط لكي نعرف ماذا فعل، ولكن لكي نفهم كيف كانت القيادة النقابية في ذلك الزمن وكيف كان جيل من القيادات يتعامل مع قضايا العمال والوطن والامة وماذا يمكن ان يبقى من هذه التجربة للاجيال القادمة.

و للحديث بقية …

التصنيف: كتاب واراء