جائزة تحمل اسم جورج ميني .. ماذا تقول لنا حكاية الباخرة كليوباترا؟

بقلم: عبد المنعم الجمل، رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر

في تاريخ الحركة النقابية العربية حكايات كثيرة لا تأخذ حقها من الاهتمام، رغم أن بعضها يكشف حجم الدور الذي لعبه العمال العرب في قضايا تجاوزت حدود المصانع والموانئ.

ومن هذه الحكايات قصة الباخرة المصرية كليوباترا، التي وصلت إلى ميناء نيويورك في أبريل عام 1960، لتجد نفسها وسط أزمة لم تكن في حقيقتها مجرد خلاف حول سفينة أو عملية تفريغ شحنة.

كانت هناك في الخلفية قضية المقاطعة العربية لإسـ ـرائـ ــيل.

النقابات البحرية الأمريكية كانت تنظر إلى المقاطعة باعتبارها تمس مصالح البحارة والسفن الأمريكية، بينما كانت المقاطعة العربية جزءا من الموقف العربي تجاه إسـ ــرائـ ـيل في ذلك الوقت.

وفي قلب المشهد كان جورج ميني، رئيس الاتحاد الأمريكي للعمل ومؤتمر المنظمات الصناعية AFL CIO.

بدأ عمال الموانئ والبحارة في نيويورك مقاطعة كليوباترا ورفضوا تفريغ حمولتها. ودخل ميني بنفسه على خط الأزمة، وتولى جانب كبير من الاتصالات والمفاوضات مع الإدارة الأمريكية.

لكن ما يستحق التوقف عنده أن الحركة العمالية العربية لم تتعامل مع الأمر وكأنه مشكلة مصرية تخص سفينة مصرية وحدها.

كان هناك إدراك بأن الضغط النقابي لا يواجه بالكلام، وإنما يمكن مواجهته بالقوة النقابية نفسها.

فبدأت الاتحادات العمالية العربية التحرك، وظهرت تهديدات واضحة بمقاطعة السفن الأمريكية في الموانئ العربية إذا استمر الضغط على كليوباترا.

ولم يبق الأمر عند حدود التهديد

بدأت بالفعل تحركات في بعض الموانئ العربية، وأصبحت هناك خشية أمريكية من أن تمتد المواجهة إلى عدد أكبر من الموانئ والسفن.

وتحدثت التقارير في ذلك الوقت عن استعداد نحو عشرين ألفا من عمال الموانئ في عشرين ميناء عربيا للمشاركة في المقاطعة.

وهنا ظهر تأثير الموقف العربي

لم يكن العمال العرب يبحثون عن مواجهة مع العمال الأمريكيين، ولم تكن المسألة بالنسبة إليهم مباراة نقابية بين طرفين.

كان هناك موقف عربي اتخذ، وعندما تعرضت سفينة مصرية لضغط نقابي في ميناء أمريكي، تحرك العمال العرب دفاعا عن هذا الموقف، وبأسلوب نقابي واضح.

فإذا كان من الممكن تعطيل سفينة مصرية في نيويورك، فمن الممكن أيضا أن تتأثر السفن الأمريكية في الموانئ العربية.

وهكذا أصبح الضغط متبادلا

هذه النقطة مهمة جدا في قراءة الأزمة.

فالموقف العربي الموحد جعل استمرار المقاطعة أكثر تعقيدا، وأدخل في حسابات الجانب الأمريكي مصالح السفن والبحارة الأمريكيين في الموانئ العربية.

وبالتالي لم تعد كليوباترا مجرد سفينة تنتظر تفريغ حمولتها، وإنما أصبحت الأزمة أوسع من ذلك بكثير.

وفي السادس من مايو 1960 توصل جورج ميني إلى اتفاق مع الإدارة الأمريكية أنهى المقاطعة، وبدأ تفريغ الباخرة في التاسع من مايو، بالتزامن مع انتهاء المقاطعة العربية المضادة.

ومن الخطأ أن ننظر إلى هذه الواقعة بمنطق من انتصر ومن خسر.

الأهم أن نرى كيف استطاع الموقف العمالي العربي الموحد أن يكون له تأثير قوي في مسار الأزمة، وأن يدفع نحو التعامل معها من خلال التفاوض والحل.

وهذه في حد ذاتها صفحة مهمة من تاريخ الحركة النقابية العربية.

فالعمال العرب في ذلك الوقت لم تكن لديهم الأدوات التي تملكها النقابات الأمريكية الكبرى، لكنهم امتلكوا شيئا آخر: وحدة الموقف.

وعندما توحدت مواقف عمال الموانئ والاتحادات العمالية العربية، أصبح لهذا الموقف وزن لا يمكن تجاهله.

وهنا يأتي جورج ميني مرة أخرى

فالرجل الذي كان في قلب أزمة كليوباترا لم يكن بعيدا عن إسـ ـرائـ ــيل.

كان من أبرز القادة النقابيين الأمريكيين تأييدا لإسـ ـرائــ ـيل، وكانت علاقته بالحركة العمالية الإسـ ـرائيـ ـلية والهـ ـستـ ـدروت قوية ومعلنة، كما ارتبط الاتحاد الذي كان يقوده بعلاقات وثيقة بالحركة العمالية الإسـ ـرائـ ــيلية.

ولهذا فإن وجود اسم ميني في أزمة كليوباترا ليس تفصيلا عابرا.

فهو رئيس الاتحاد الأمريكي الذي دخل في مواجهة نقابية مع سفينة مصرية في قضية ارتبطت بالمقاطعة العربية لإسـ ــرائـ ــيل، وفي الوقت نفسه كان من أبرز الشخصيات النقابية الأمريكية المؤيدة لإسـ ــرائــ ــيل.

ثم مرت السنوات:

تغيرت القيادات وتغيرت الظروف، لكن اسم جورج ميني بقي حاضرا داخل الاتحاد الأمريكي.

أصبح اسمه جزءا من اسم جائزة يمنحها AFL CIO، هي جائزة جورج ميني ـ لين كيركلاند لحقوق الإنسان.

وفي عام 2009 ذهبت الجائزة إلى الحركة العمالية المصرية، ممثلة في دار الخدمات النقابية والعمالية والنقابة المستقلة للعاملين بالضرائب العقارية.

وهنا تظهر مفارقة تستحق أن نتوقف أمامها

فالاتحاد الذي كان جورج ميني أحد أبرز قادته، والذي يحمل اليوم جائزة باسمه، اختار في تلك المرحلة تكريم رموز من التيار النقابي المستقل في مصر، وهو التيار الذي كان يتحرك خارج الإطار التنظيمي للاتحاد العام لنقابات عمال مصر.

لا أعتقد أن من الإنصاف أن نحمل حصول الرجلين على الجائزة أكثر مما يحتمل.

فالحصول على جائزة لا يعني بالضرورة تبني كل مواقف الجهة التي تمنحها، ولا يعني أن من تسلمها كان يتبنى مواقف جورج ميني تجاه إسـ ـرائـ ـيل.

لكن في الوقت نفسه، من حقنا أن نتساءل عن دلالة الاختيار.

لماذا هذا النموذج النقابي تحديدا؟

ولماذا من مؤسسة نقابية أمريكية لها تاريخ طويل ومواقف واضحة تجاه إسـ ــرائـ ـيل؟

وهل كان دعم تكوين نقابات لا تسند لعضوية خارج التنظيم الحقيقي في مصر زعم تضامن عمالي مع مطالب العمال وحقهم في التنظيم، أم كان جزءا من رؤية أوسع للعلاقات النقابية الدولية وطبيعة الحركة النقابية التي يراد دعمها؟

هذه أسئلة لا يمكن الإجابة عنها من خلال جائزة واحدة، ولا من خلال واقعة واحدة.

لكنها أسئلة مشروعة عندما نضع الوقائع بجوار بعضها.

كليوباترا في نيويورك عام 1960

موقف عمالي عربي موحد امتد إلى الموانئ العربية.

جورج ميني في قلب المفاوضات.

علاقة وثيقة بين الرجل والحركة العمالية الإسـ ـرائـ ـيليـ ـة.

ثم بعد نحو نصف قرن جائزة تحمل اسمه تمنح لرموز من الحركة النقابية المصرية المستقلة.

هل تغيرت الاتجاهات؟

أم أن بعض ملامحها بقيت حاضرة، وإن تغيرت الأسماء والظروف والأدوات؟

ربما لا تقدم لنا هذه الوقائع وحدها الإجابة النهائية، لكنها بالتأكيد تستحق أن نتوقف أمامها.

والدرس الذي تقدمه لنا كليوباترا لا يرتبط فقط بجورج ميني أو بالاتحاد الأمريكي.

الدرس الأهم هو أن العمال العرب، عندما توحدوا حول موقف واحد، استطاعوا أن يكون لهم تأثير حقيقي في قضية تجاوزت حدود مصر والموانئ العربية.

لم تكن قوتهم في الصدام، وإنما في التنظيم والتضامن.

ولم يكن هدفهم تسجيل انتصار على عمال بلد آخر، وإنما الدفاع عن موقفهم ومصالحهم، واستخدام أدواتهم النقابية عندما أصبح الأمر يتطلب ذلك.

وهذا هو المعنى الحقيقي للتضامن العمالي العربي

أن نختلف دون أن نتفرق.

وأن نتعاون مع الآخرين دون أن نفقد ذاكرتنا.

وأن نفتح أبواب العلاقات الدولية، لكن ونحن نعرف تاريخ المؤسسات التي نتعامل معها ومواقفها ومصالحها.

لذلك فإن حكاية الباخرة كليوباترا لا ينبغي أن تبقى مجرد واقعة قديمة في سجلات الملاحة.

إنها صفحة من تاريخ الحركة العمالية العربية، تذكرنا بأن اتحاد العمال العرب وموقف عمال الموانئ العربية كان لهما وزن وتأثير عندما توحدت الكلمة وتحول التضامن إلى فعل.

وبعد أكثر من نصف قرن يعود اسم جورج ميني إلى المشهد من باب آخر، من خلال جائزة تحمل اسمه وتمنح في مصر.

وهنا يبقى السؤال مفتوحا أمام كل من يهتم بتاريخ الحركة النقابية:

جائزة تحمل اسم جورج ميني.. ماذا تقول لنا حكاية الباخرة كليوباترا؟