خلال كلمته فى افتتاح النشاط التدريبي الإقليمي تحت عنوان: «تعزيز الحوار الاجتماعي للعاملين في الاقتصاد الريفي والمزارع الزراعية في أفريقيا: الاستجابات والاستراتيجيات النقابية» في القاهرة، خلال الفترة من ٣١ أغسطس إلى ٤ سبتمبر ٢٠٢٦، والذى ينظمه مكتب أنشطة العمال بالمقر الرئيسي لمنظمة العمل الدولية، بالتعاون مع مكتب أنشطة العمال بالمركز الدولي للتدريب التابع لمنظمة العمل الدولية، ومكتب منظمة العمل الدولية في مصر وإريتريا.
أوضح عيد مرسال، الأمين العام للاتحاد العام لنقابات عمال مصر، ورئيس النقابة العامة للعاملين بالزراعة والرى والصيد واستصلاح الأراضى، أن تفاصيل حياتنا اليومية تعتمد بشكل كامل على ما تجود به الأرض من خيرات، لكن هل توقفنا يوماً لنتأمل في حجم “الأمان” الذي يفتقده أولئك الذين يطعموننا؟ خلف كل محصول نستهلكه، ثمة جنود مجهولون يواجهون تحديات اقتصادية واجتماعية جسيمة بعيداً عن الأضواء. هذا التساؤل الجوهري كان المحرك الأساسي لـ “الحدث الأفريقي الفريد” الذي تستضيفه مصرحاليا، حيث اجتمع ممثلون عن قرابة 20 دولة أفريقية لرسم معالم مستقبل جديد لعمال القارة، بقيادة رؤية استراتيجية طرحها الامين العام لاتحاد عمال مصر، وإليك الملامح الأربعة لهذه الخارطة التي تهدف إلى تحويل واقع عمال الريف من التهميش إلى التمكين:1. العمود الفقري للأمن الغذائي في دائرة الخطر
لا يمكن الحديث عن استقرار وطني دون أمن غذائي، ولا يمكن تحقيق الأخير دون إنصاف القوة الإنتاجية التي تقف خلفه. نحن أمام تحول بنيوي في النظرة لعمال الريف؛ فهم ليسوا مجرد أرقام في قطاع الزراعة، بل هم محور الارتكاز للتنمية المستدامة. ومع ذلك، لا تزال هناك فجوة مقلقة بين “الدور الوطني” الذي يؤدونه وبين “الرعاية” التي يتلقونها، خاصة بين الفئات الأكثر عرضة للمخاطر مثل العمالة غير المنتظمة والموسمية، وعمال الصيد، والعاملين في الخدمات الريفية.
“إن العاملين في الاقتصاد الريفي يمثلون قوة إنتاجية كبيرة، ويذودون دوراً محورياً في تحقيق الأمن الغذائي، وتنمية المجتمعات الريفية، ودعم الاقتصاد الوطني.”
2. من “الانتظار” إلى “المبادرة”: كسر الجمود البيروقراطي
يمثل النهج الجديد الذي تتبناه النقابة ثورة في فلسفة العمل الميداني؛ حيث تم استبدال نمط “انتظار العامل في المكتب” باستراتيجية “الذهاب إلى العامل”. إن هذا الانتقال إلى “موقع العمل، والقرية، والتجمع الإنتاجي” ليس مجرد تغيير لوجستي، بل هو توجه ديمقراطي شامل يهدف للوصول إلى الفئات التي طال تهميشها. إنها محاولة جادة للتعامل مع الواقع الميداني بعيداً عن الشعارات النظرية، عبر الاستماع المباشر لمشكلات العمال في بيئاتهم الحقيقية.
3. العضوية النقابية: أداة للدفاع لا مجرد رقم
في فكر “عيد مرسال”، لا تُعد زيادة العضوية هدفاً إحصائياً للاستعراض، بل هي “وسيلة” لبناء تنظيم نقابي أكثر جسارة وقدرة على التمثيل الحقيقي. القوة النقابية تُستمد من قدرة التنظيم على الانتشار والاشتباك مع قضايا العمال وتحسين ظروف معيشتهم. فكلما اتسعت القاعدة العمالية، تعززت قدرة النقابة على الدفاع عن الحقوق المهدرة وفرض أجندة “العمل اللائق” كأولوية في السياسات الوطنية.
4. المثلث الذهبي: شروط كرامة العامل الريفي
وضعت الرؤية النقابية المصرية ارتباطاً شرطياً لا يقبل التجزئة بين ثلاثة عناصر تشكل “المثلث الذهبي” للتنمية: الحماية الاجتماعية، التنظيم النقابي القوي، والتنمية المستدامة. لا يمكن تحقيق أحد هذه الأضلاع بمعزل عن الآخرين؛ فالتنمية التي لا توفر كرامة للعامل هي تنمية منقوصة، والحماية التي لا تصل إلى عمق القرى هي حماية شكلية.
“لا حماية اجتماعية شاملة دون الوصول إلى العاملين في الريف، ولا تنظيم نقابي قوي دون توسيع قاعدة العضوية، ولا تنمية مستدامة دون عمل لائق يحفظ للعامل كرامته وحقوقه.”
إن إعادة صياغة الأمان الاجتماعي لعمال الريف ليست مجرد التزام أخلاقي، بل هي ضرورة استراتيجية لاستدامة الاقتصاد. إن مد جسور التواصل مع النجوع والقرى وتفعيل أجندة “العمل اللائق” هو السبيل الوحيد لإنهاء حقبة “العمل في صمت” والانتقال إلى مرحلة “الإنتاج بكرامة”.
والسؤال الذي يفرض نفسه على ضمير المجتمع ومؤسساته: إلى متى ستظل الفجوة قائمة بين القيمة الهائلة لما يقدمه عمال الريف لأمننا الغذائي، وبين واقعهم الذي يفتقر لأدنى مقومات الحماية؟ إن إنصاف من يزرعون لنا الأمل هو الاختبار الحقيقي لقدرتنا على تحقيق تنمية شاملة وعادلة.
