التاريخ النقابي
أدى الكفاح الشعبى المتواصل إلى ظهور الحركة العمالية المصرية فى العصر الحديث.. وفى طليعة الكفاح الوطنى التحررى وخاصة منذ الحملة الفرنسية على مصر عام 1789.. واستطاعت هذه الحركة العمالية الجماهيرية بنوعيها أن تعبئ قواها وتنظم صفوفها للنضال المطلبى ضد الاستغلال الاقتصادى المستند إلى حماية النفوذ الأجنبى الذى أخذ يتعاظم مع النصف الثانى من القرن التاسع عشر ثم ازداد ذلك النضال إلى أن تمخض عن البدء فى إقامة التنظيمات النقابية مع نهاية هذا القرن ذلك أنه خلال الفترة من عام 1845 إلى 1879 شهدت البلاد حقبتى سعيد وإسماعيل، موجة من تدفق الاستثمارات والقروض بما صاحب ذلك من سيطرة الامتيازات الأجنبية على اقتصاد مصر.. فقد وصل عدد المستثمرين الأجانب خلال تلك الفترة إلى 168 ألفا، بينما لم يكن عددهم فى عهد محمد على يزيد على 300 فقط وقد حرص هؤلاء على السعى المستمر من أجل الحصول على الامتيازات والمزيد من الامتيازات، وتم خلال هذه الفترة تأسيس 15 شركة للاستثمار، ثم تزايد حجم الوجود الأجنبى الذى تظلله الامتيازات فى مصر مع الاحتلال البريطانى.. إذ تشير الإحصاءات إلى أنه خلال السنوات العشر الأولى للاحتلال من 1882 إلى 1892 ارتفع عدد الشركات المساهمة الأجنبية إلى 34 شركة بينما نشطت رؤوس الأموال للاستثمار فى الصناعات ذات النشاط الاستهلاكى الذى يخدم التواجد الأجنبى فى مصر.ز ومن ثم بدأت تتبلور فى مصر سمات العمل المأجور.. وظهور الحركة العمالية المصرية بشكلها الحديث.
وقد تركزت التجمعات العمالية فى وحدات صناعية كبيرة مملوكة لرأسمالية أجنبية وفدت إلى البلاد بعد الاحتلال عام 1882.. حيث اختلطت العمالة المصرية بالعمالة الأجنبية الوافدة.. خاصة من دول حوض البحر المتوسط كالإيطاليين واليونانيين والمالطيين والقبارصة والأرمن.. وغيرهم ومن ثم عرف العمال المصريون أشكال النضال العمالى الجماعى من أجل تحقيق المطالب كالإضرابات والاعتصامات.. ثم الانتظام فى النقابات التى اتخذت معظمها اسم الجمعيات.
غير أن نمو الاستثمارات الأجنبية خلال هذه الفترة واستفحالها خاصة بعد أن وضع الأجانب أيديهم على المنشآت المصرية التى كانت قائمة فى عهد الخديوى إسماعيل والخديوى توفيق وفاءا أو ضمانا للديون.. قد صاحبه بطبيعة الحال حرص الإدارات الأجنبية على أن تستخدم عمالة من جنسيات أجنبية تدفع بها إلى المواقع الإشرافية الإدارية والفنية مما يجعل لها نوع من التميز والسيطرة على العمال المصريين. بل أن كثيرا من هذه العناصر كانت تتعمد الإساءة إلى العمال المصريين وإهانتهم والجور على حقوقهم لحساب الإدارة الأجنبية.. ومن هنا فقد اقترن النضال المطلبى للعمال المصريين بمفهوم النضال ضد النفوذ الأجنبى وضد التميز الأجنبى وهو المفهوم الذى أخذ يتنامى ليصبح نضالا ضد الوجود الأجنبى ذاته ليترسخ بذلك المضمون الوطنى للحركة العمالية المصرية.
ولعل فيما سجله التاريخ من أعمال عنف وإضرابات كان يقوم بها العمال الأجانب فى الشركة العالمية لقناة السويس البحرية فى عهد إسماعيل من أجل تحقيق مطالبهم وخاصة خلال الفترة من 1825 إلى 1860 ما يمكن اعتباره بدايات الحركة العمالية فى علاقات العمل بمصر.
غير أن هذه التحركات والإضرابات كان يقوم بها العمال الأجانب وحدهم دون أن يشاركهم فيها العمال المصريون مما كان يؤدى إلى مصادمات بين الطرفين.. لماذا؟

لأن المصريين كانت تملؤهم المرارة وآلام العمل بالسخرة والقهر تحت سياط الأجانب وخاصة فى حفر قناة السويس وفى شق الترع ومد خطوط السكك الحديدية.. وغير ذلك من الأعمال التى استمرت على أيدى السلطات الأجنبية خلال الحرب العالمية الأولى التى عبر عنها الفنان الشعبى سيد درويش بالأغنية الحزينة [ولدى يا ولدى السلطة أخذت ولدى].
أما العمال المصريون فلعل أول إضراب لهم هو ما قام به عمال الشحن والتفريغ فى ميناء بورسعيد إبان شهرى أبريل ومايو 1882 ضد شركة الفحومات البريطانية.. للمطالبة بزيادة الأجور.
وعلى أية حال.. فإن الربع الأخير من القرن التاسع عشر حفل بالعديد من إضرابات العمال والتى كان من أبرزها إضراب عمال الدخان والسجائر الذى بدأ فى ديسمبر 1899 واستمر حتى 21 فبراير 1900 تحت إشراف مجموعة من العمال أصبحت فيما بعد نقابة عمال السجائر المختلطة التى كانت تضم فى عضويتها العمال المصريين.
ومن هنا يذهب معظم المؤرخين إلى أن سنة 1899 هى بداية ظهور التنظيمات النقابية العمالية فى مصر، وإن كان هناك من يرى أن بداية ظهور النقابات فى مصر يرجع إلى عام 1892 بتشكيل نقابة عمال السجائر بزعامة أحد العمال اليونانيين.
وهكذا جاء القرن العشرون مع تزياد الحركات العمالية فى تيار دافق اتسم بتزايد الإضرابات فى مختلف المواقع بما أسفر عن تشكيل منظمات نقابية للعمال تنظم حركتهم، وتتبنى مطالبهم، وتدافع عن قضاياهم.
ووصل الأمر إلى ذروته عندما تولى الزعيم الوطنى محمد فريد زعامة الحزب الوطنى عقب وفاة الزعيم مصطفى كامل فأنشأ نقابة الصنائع اليدوية عام 1908 متجها بذلك إلى جماهير العمال ليجعل منهم القاعدة الأساسية التى يستند إليها الحزب فى نضاله الوطنى ثم كانت الحرب العالمية الأولى وفرض الوصاية البريطانية على مصر بما ساد خلال تلك الفترة ألوان من بطش السلطة البريطانية وصولا إلى ثورة 1919 التى لعبت جماهير العمال دورا فعالا فى إشعالها ونجاحها.
لقد أبرزت ثورة 1919 المحتوى الوطنى للحركة العمالية المصرية ثم أكدت هذا المحتوى أحداث السنوات التالية مع تزايد بروز دور التنظيمات النقابية للعمال فى قيادة الجماهير باتجاه أهداف النضال الوطنى ضد الاحتلال ومن أجل التحرر من الاحتلال الأجنبى السياسى والاقتصادى وإقرار العدالة الاجتماعية والدفاع عن الدستور والديمقراطية.
إن أدبيات التنظيمات النقابية لعمال مصر ووثائقها خلال الفترة من 1919 إلى ثورة 1952 حافلة بما ينم عن المضمون السياسى والاجتماعى لنضال هذه التنظيمات والتركيز على أن التحرر الاجتماعى والاقتصادى لنضال هذه التنظيمات والتركيز على أن التحرر الاجتماعى والاقتصادى لا ينفصل على التحرر السياسى.. ولعل أبرز ما يمثل ذلك تكوين اللجنة الوطنية للعمال والطلبة عام 1946 لقيادة النضال الشعبى ضد الاحتلال ثم تنفيذ أكبر إضراب عمالى ذى مضمون سياسى وطنى خالص حين قام به نحو 60 ألف من العمال المصريين والانسحاب من العمل فى قاعدة قناة السويس البريطانية على أثر إعلان إلغاء معاهدة 1936 فى أكتوبر عام 1951 وإذا كانت أحداث ثورة 1919 قد حفلت بأسماء أبطال من العمال قاموا بأروع الأدوار الوطنية فى مناصرة هذه الثورة بما فى ذلك الانضمام إلى [التنظيم السرى للثورة] فإن حركة الكفاح المسلح الذى اندلع ضد الانجليز فى منطقة القناة عام 1951 قامت على أكتاب العمال قبل غيرهم.
يكفى مثلا.. أن نشير إلى أن القائد العام لقوات الفدائيين فى معارك القناة عام 1951 الذى أعلن الجنرال أرسكين القائد البريطانى العام فى القناة الذى لقب بسفاح القناة عن جائزة قدرها 5000 جنيه لمن يأتى به حيا أو ميتا أو يدلى بمعلومات تؤدى إلى القبض عليه كان عاملا هو محمد عبد الوهاب المهدى عامل المطافى بشركة شل بالسويس.
ولعلنا أيضا.. نشير على سبيل المثال إلى الدور الباهر الذى لعبه العمال مع قيادة ثورة يوليو فى تأميم القناة عام 1956.. قد كان من أبطال هذا الدور المغفور له زكى ربيع رئيس نقابة عمال شركة القناة وخلفه المغفور له السيد محمد نصار.. إن تاريخنا الوطنى حافل بأشرف الأدوار وأشجعها لعمال مصر وتنظياتهم النقابية خاصة فى مناصرة ثورة يوليو 1952 بما يمثل صفحات نضال وطنى مجيد ازداد توهجا وتألقا بقيام الاتحاد العام لنقابات عمال مصر فى يناير 1957 ليمضى التنظيم النقابى فى إسهامه الإيجابى الفعال فى قضايا النضال الوطنى سيما فى مواجهة عدوان 1967، وحرب 1973 المجيدة بما يحتفظ به التاريخ فى صفحات من نور.. ولا تزال بطولات عمال مصر فى حرب الاستنزاف وبناء حائط الصواريخ، والإسهام فى صنع انتصارات أكتوبر 1973 المجيدة تروى بالفخر والإعجاب.. على أن أهم ما تميزت به الحركة العمالية المصرية منذ ظهورها هو الاحتفاظ بهويتها القومية الوطنية بحيث لا تعمل إلا من أجل مصر وجماهير عمالها.. كل عمالها .. محتفظة باستقلال تنظيماتها النقابية عن الأحزاب.
ذلك أن ثورة 1919 قد تمخضت عن ظهور الأحزاب السياسية بداية بحزب الوفد والذى من عباءته توالى ظهور العديد من الأحزاب.. وقد أوضحت الثورة وأكدت أهمية الدور الفعال الذى لعبته جماهير العمال والفلاحين التى صنعت الثورة وضحت من أجل نصرتها ومن ثم كان سعى الأحزاب إلى احتواء الحركة العمالية المصرية عن طريق إنشاء اتحادات عمالية تابعة لهذه الأحزاب وخاضعة لها وتمثل ذلك فى.. الاتحاد المصرى للعمال الذى أنشأه الحزب الاشتراكى سنة 1920، ثم الاتحاد العام لعمال وادى النيل الذى أنشأه حزب الوفد بزعامة عبد الرحمن فهمى عام 1924، ثم الاتحاد العام لنقابات عمال القطر المصرى الذى أنشأه حزب الأحرار الدستوريين عام 1928، ثم اتحاد ولى العهد الذى أنشأه القصر الملكى عام 1930، ثم اتحاد نقابات عمال القطر المصرى الذى أنشأه حزب العمال بزعامة النبيل عباس حليم عام 1935، ولكن هذه الاتحادات كلها سرعان ما آلت إلى زوال لانصراف العمال عنها لأسباب عديدة تتباين ولكنها تلتقى عند إصرار الحركة العمالية المصرية على أن تكون تنظيماتها النقابية مستقلة نابعة من إرادة جماهيرية وخاضعة لإرادة هذه الجماهير.
بيد أن من أبرز الأمور ذات الدلالة على الطبيعة المتميزة للحركة العمالية المصرية أن هذه الحركة استطاعت أن تقيم منظماتها النقابية من نهاية القرن الماضى وبدايات القرن العشرين بينما لم يكن هناك قانون للنقابات فى مصر يعترف لها بالشخصية الاعتبارية على أساس أنها الهيئات التى تمثل العمال أمام أصحاب الأعمال وأمام السلطة.. إذ كان صدور أول قانون يعترف بالنقابات عام 1942 هو قانون رقم 85 لسنة 1942.
معنى ذلك أن الحركة العمالية المصرية تميزت بقدرتها على أن تفرض الأمر الواقع وقد شكلت نقاباتها قبل أن تحصل على هذا الحق قانونا بنحو 40 سنة.. كما استطاعت الحركة العمالية المصرية أن تمارس حق الإضراب منذ أواخر القرن الماضى حتى الآن رغم حرمانها قانونا من هذا السلاح بل أن الحركة العمالية المصرية تمارس نشاطا سياسيا متواصلا منذ بداية القرن الحالى حتى الآن بفعالية متزايدة رغم أنها لم تشكل لها حزبا سياسيا.
أول اتحاد لعمال مصر
كان (التضامن) هدفا للعمال لتحقيق القوة والتكاتف والتكتل لتحقيق مصالحهم مما أسفر عن قيام النقابات العمالية فى مختلف أنحاء البلاد، فقد كان (التضامن) أيضا باعثا من البواعث الهامة التى أدت إلى تكوين أول اتحاد لنقابات العمال.. خاصة مع صعود وتنامى الحركة الوطنية المصرية المطالبة بالاستقلال بزعامة سعد زغلول.
لقد طالب العمال بقيام اتحاد عام للنقابات ينظم الحركة النقابية ويوحد خطواتها فى النضال الاقتصادى والاجتماعى والسياسى وظهرت أولى هذه المحاولات عندما تم تأسيس الاتحاد المصرى للعمال فى عام 1921 والذى ضم حوالى 22 نقابة تضم خمسة ولاثين ألف عامل.
لقد كان قيام أول اتحاد للعمال من نتائج نضال النقابات العمالية التى تأسست خلال الفترة من 1898-1920 حيث نشطت حركة تكوين النقابات العمالية بين كثير من عمال الحرف والمرافق والصناعات ونتيجة نمو خبرة الطبقة العاملة المصرية فى التنظيم واستخدامها فى عملية واسعة لتجديد النقابات القائمة أو تأسيس نقابات جديدة.
كما شهدت هذه الفترة حركة واسعة لتأليف النقابات العمالية وترددت أصداء الدعوة للتنظيم النقابى فى كل مكان فلقيت إقبالا منقطع النظير من كافة الفئات والطوائف العمالية مما جعلها قادرة على أن تتطلع إلى آفاق أوسع للنمو والازدهار.. ونتيجة للخطى الحثيثة والنضال المتواصل ظهرت علامات ومؤشرات لقرب نشوء الاتحاد العام تمثلت فى الإضرابات التضامنية والاتجاه إلى إنشاء النقابات القومية.
وفى عام 1920 تم عقد المؤتمر التأسيسى للاتحاد بمدينة الإسكندرية وحضره مندوبون عن النقابات العمالية، إلا أن الحكومة وأصحاب الأعمال وقبلها السلطات البريطانية قابلوا الدعوة لهذا المؤتمر بخوف شديد لما يمثله ذلك من تهديد لمصالحهم فلجأت السلطة إلى إصدار القانون رقم (2) لسنة 1921 فى محاولة للتضييق على النقابات العمالية، وحرمانها من جمع الاشتراكات ونص القانون على أن (لا يجوز التنازل عن الأجور إلى نقابة أو جمعية أو شركة مهما كان الشكل الذى تألف به تلك الجمعية) وذلك فى محاولة سافرة لضرب النقابات وحرمانها من جمع الاشتراكات والتى هى من أهم مقومات وجودها، كذلك فقد صدرت سلسلة من القوانين المقيدة للإضرابات لسلب النقابات العمالية أمضى أسلحتها.
ورغم هذا فقد مضت مسيرة الحركة العمالية المصرية بعزم وصلابة، وتابع عمال مصر كفاحهم المشهود لبناء تنظيماتهم النقابية التى تجمع شملهم وتوحد جهودهم.
تكوين أول تنظيم نقابى عمالى مصري
كان لصدور قانون عام 1890 فى مصر، الخاص بإلغاء نظام الطوائف. كما سبق القول. إيذانا بنشوء النقابات العمالية خاصة فى ظل شعور العمال بحاجتهم إلى التكتل لتشكيل قوة فى مواجهة أصحاب رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية التى تدفقت على مصر وظهور العديد من الصناعات التى تجمع العمال بأعداد كبيرة.وقد سبق الإضراب فى مصر قيام النقابات، وكان الوسيلة الفعالة التى أدت للاعتراف بالنقابات وحق العمال فى التنظيم النقابى بعد أن عانى العمال من الأجور المنخفضة وساعات العمل الطويلة وظروف عمل متدنية، واتسمت أحوالهم بالتفاوت والتمييز فى الأجور بين العمال الوطنيين والعمال الأجانب، إضافة إلى خلو التشريعات من أية قوانين تكفل تنظيم العلاقات العمالية.وخلال هذه الفترة بدأت شركات السجائر وصناعة الدخان فى مصر بنحو 40 شركة ضمت نحو 30 ألف عامل كانوا يعانون ظروف عمل سيئة للغاية،
وقاد عمال شركات الدخان والسجائر فى القاهرة والإسكندرية العمل الجماعى العمالى بشقيه.. الإضراب، والتنظيم النقابى، ولم يكن ذلك من قبيل الصدف التاريخية وإنما كان محصلة عاملين أساسيين:
صورة بعض قيادات الشركة الشرقية للدخان مع السيد زكى سلامة سكرتير عام مساعد المجلس التنفيذى للاتحاد المصرى للعمال ومحمود العسكرى ثابت رئيس النقابة العامة للصناعات الغذائية ومحمد عبده جمعه عضو مجلس إدارة الاتحاد العام.
والثانى: أن ظروف الحرب كانت أشد ما تكون تأثيرا على صناعتهم نتيجة نقص الدخان الخام الأمر الذى مكن أصحاب المعامل من توفير عدد كبير من العمال.
والواقع فإن ميزان القوى فى هذه الإضرابات كان يميل إلى جانب العمال فى بداية الأمر لأن طبيعة هذه الصناعة كانت تحتم الاعتماد على العمل اليدوى والخبرة الحرفية العالية، ولهذا كان العمال غالبا فى وضع المفاوض القوى أمام أصحاب المعامل.. ولكن هذا الوضع لم يلبث أن تغير نتيجة استخدام الآلات التى أحدثت قلقا شديدا فى صفوف عمال الدخان والسجائر وخاصة عمال اللف الذين أصبحوا مهددين بالفصل.
وخلال عام 1897 قاد عمال الدخان والسجائر بالقاهرة والإسكندرية العديد من الإضرابات واتبعوا أسلوبا ذكيا، فعندما كان عمال مصنع يضربون عن العمل كان عمال المصانع الأخرى يجمعون لهم من التبرعات ما يعينهم على الاستمرار فى الإضراب حتى تجاب لهم مطالبهم.
ولقد أسفرت هذه الإضرابات عن تأسيس (جمعية لفافى السجائر) بالقاهرة والإسكندرية ابتداء من ديسمبر 1898 وقد وضع العمال على رأس هذه الجمعية شخصية أجنبية للتخفيف من بطش السلطات.. فقد كان المهم الاعتراف بالنقابة لأن ذلك الاعتراف يمثل اعترافا بالصفة التمثيلية للعمال المفوضين بالعمل النقابى لمناقشة شروط وظروف العمل توطئة لتحسينها أو تعديلها..
ولقد بدأت مسيرة الحركة النقابية العمالية المصرية بتأسيس هذا التنظيم النقابى للدفاع عن العمال والمطالبة بحقوقهم والتصدى لقوى الاستغلال الأجنبى التى كانت تعتمد على وجود قوات الاحتلال البريطانى وتحرم الشعب والعمال المصريين من حقوقهم الأساسية.
قصة أول إضراب عمالى فى مصر
فى آخر مارس عام 1882 قام عمال تفريغ الفحم فى بورسعيد بالإضراب عن العمل وحددوا هدفين، الأول هو المطالبة بالحصول على الأجر مباشرة من الشركات حيث كان العمال يشتغلون عن طريق مكاتب حرفية للفحم يديرها مقاولون أو معلمون، والثانى برفع الأجر المدفوع من الشركات الأجنبية، وبذلك فقد كان هذا الإضراب موجها ضد الشركات الأجنبية وكان لهذا الإضراب صدى لدى الحكومة المصرية، مما حدا بها، آنذاك، إلى إصدار قرار بتشكيل لجنة توفيق للنظر فى النظام المعمول به، وإزاء إصرار العمال على موقفهم أعلنت الشركات الأجنبية قبولها لإلغاء نظام التشغيل للعمال عن طريق المكاتب ودفع الأجر إليهم مباشرة ولكنها رفضت المطلب الخاص بتحسين الأجور ورفعها وبذلك نجح أول إضراب عمالى فى مصر بتحقيق بعض أهدافه.
لقد كان هذا الإضراب مواكبا لفترة تاريخية غنية بالكفاح، وفى ذلك العام 1882 قامت الصورة العرابية ووجد العمال فى الثورة العرابية طريق خلاص من الاستغلال الرأسمالى الأجنبى، وفى 30 يوليو 1882 أقيم فى الإسكندرية احتفال عمالى أبدى فيه العمال تضامنهم مع النضال الوطنى ومباركة للزعيم أحمد عرابى.. وبذلك أضفت الرحكة العمالية مضمونا سياسيا على كفاحها الاقتصادى الموجه أساسا إلى الرأسمالية الأجنبية فى هذه الحقبة التاريخية الخصبة من تاريخ الشعب المصرى.
وهكذا يتبين لنا أن نشأةالطبقة العاملة المصرية كان بمثابة قوة اجتماعية جديدة أضيفت للمجتمع المصرى وأخذت مكانتها وارتبطت بعلاقة وثيقة مع طبقة الفلاحين الذين كانوا يمثلون الخلفية البشرية لميلادها وأنها نشأت فى كنف المرافق والمشاريع الصناعية الأمر الذى وضعها منذ مولدها فى موضع الاستغلال والتعسف الأجنبى فحملت وهى فى مهدها بذور عدائها للاستعمار.
كما كان نشأة الطبقة العاملة واطراد نمو وعيها بوجودها ووحدة مصالحها، أن دفعها ذلك إلى إنشاء التنظيمات الخاصة بها لتحقيق تضامنها ودعم كفاحها الاقتصادى، فكانت أكثر طبقات المجتمع المصرى تطلعا وثورية، كما كانت الصورة القاتمة لأحوال العمل وشروطه المحرك الأساسى والدافع لظهور الحركة الجماعية من أجل تحسين شروط العمل والمطالبة برفع الأجور وخفض ساعات العمل.
لقد ناضل عمال مصر من أجل الاعتراف بحقهم فى التوحد وكانت إضراباتهم مؤشرا لأهمية التنيم الاجتماعى، وبدأ التاريخ النضالى لعمال مصر بصفحة زاخرة تدعو إلى (التضامن) و(الوحدة) و(الالتقاء) نحو هدف واحد، وبنمط ديمقراطى فريد.
كفاح العمال لإنشاء التنظيمات النقابية
واصل عمال مصر نضالهم لفرض وجود التنظيمات النقابية، رغم عدم وجود تشريعات عمالية تسمح بقيام النقابات، وتكلل كفاحهم بصدور عدد من القرارات التشريعية مثل قرار مجلس الوزراء عام 1919 بتشكيل (لجنة للتوفيق بين العمال واصحاب الأعمال) توصلت إلى العديد من الاتفاقيات لعمال المؤسسات العامة مثل: الترام والمياه والنور والدخان، وعملت على مضاعفة الجور، وتحديد ساعات العمل، والأجازات السنوية، ومكافأة نهاية الخدمة، وإصابات العمل.. الخ.
وانتشرت النقابات على نطاق واسع فتكونت نقابات لعمال النسيج وعمال فن المعمار ومستخدمى المحلات التجارية وعمال المحالج والمكابس وعمال شركات السكر وعمال العنابر والسكك الحديدية.. ووصل عدد النقابات فى مدينة الإسكندرية الى 32 نقابة، ووجدت نقابات فى الغربية والشرقية وكوم امبو وسعى حزب الوفد بقيادة سعد زغلول للعمل المنظم فى صفوف الحركة العمالية حتى تشكلت بكل حرفة نقابة، ولقد تكللت جهود حزب الوفد بتكوين اتحاد للعمال فى 15 مارس 1924 باسم الاتحاد العام لنقابات عمال القطر المصرى، بعد أن قضت الحكومة على المحاولة الأولى لتأسيس الاتحاد عام 1921، وقد وضع الاتحاد الجديد فى مقدمة أهدافه الإشراف على نقابات العمال، والاتصال بالاتحادات العمالية فى بلاد العالم والاشتراك فى مؤتمراتهم بجانب الدفاع عن مصالح العمال، وتأليف لجنة برلمانية لخدمة أغراضهم المشروعة والسعى لاعتراف الحكومة بهيئاتهم وإيجاد تشريع خاص لحماية العمال وتوحيد مجهوداتهم.
ولأول مرة يشترك العمال – كقوة مستقلة – من خلال اتحادهم عام 1925 فى معركة الانتخابات لاختيار نواب يمثلونهم داخل مجلس النواب وتقدم للترشيح باسم العمال اثنا عشر مرشحا وتشكلت لجنة باسم (لجنة الدفاع عن حقوق العمال والفلاحين) تبنت العديد من المطالب لحماية العمال وتنظيماتهم النقابية وسعت لسن التشريعات التى تحمى العامل وطالبت بإنشاء مكتب للعمل.
وهكذا نرى أن العمال قد نالو حقهم فى وجود تنظيمات نقابية تدافع عنهم وتعبر عن مصالحهم وتقودهم إلى سبيل الرشاد وتقودهم بقوة ليس بقوة القانون وإنما من خلال الكفاح المشترك والنضال المستمر، ولم يتخل العمال عن حقهم فى التنظيم رغم كل ألوان القهر والبطش الذى لاقته التنظيمات العمالية بعد سقوط وزارة (سعد) وتولى (زيوار) الوزارة، الذى قابل بعنف كل التحركات العمالية التى شهدتها هذه الفترة خاصة فى عام 1927 وهو ما أدى فى النهاية إلى حل هذا الاتحاد.
وخلال هذه الفترة تزايد لدى عمال مصر الإيمان بقضية (الاستقلالية) عن النشاطات الحزبية، وتوافر لدى النقابيين اقتناع بأن كل نشاط حزبى إنما يضعف كل نضال من أجل وحدة الصف العمالى ومن أجل قيام تنظيمات قوية موحدة لا تعرف غير التقدم للأمام من أجل مطالب العمال.
وفى أوائل الثلاثينات كان للحركة العمالية المصرية دور بارز فى النضال الشعبى وقادت العديد من الإضرابات العمالية التى لم تقتصر مطالبها على النواحى الاقتصادية، بل تعدتها إلى المطالب السياسية، وشهدت القاهرة والإسكندرية آلاف الإضرابات العمالية وسجلت الموجة الإضرابية تصاعدا ونموا أجبر الحكومة على تشكيل لجنة تكون مهمتها (بحث الأسباب التى تؤدى إلى الإخلال بما يجب أن يتوافر بين العمال وأصحاب الأعمال من علاقات طيبة والسعى نحو الوصول إلى اتفاقيات من شأنها توطيد هذه العلاقات وذلك لحين صدور تشريع ينظم علاقات عمل).
وفى 8 مايو 1928 أعلنت النقابات إضرابا عاما للمطالبة بإصدار تشريع للعمل، وسارت مظاهرة كبيرة اشتركت فيها نقابات العمال بأعلامها وطافت المظاهرة على مجلس الوزراء والوزارات ودور الصحف والقصر الملكى وقدمت مطالبها (الاعتراف بالنقابات العمالية، إعادة النظر فى قانون إصابات العمل، مراقبة تنفيذ تعليمات وقرارات مصلحة العمل، تحديد ساعات العمل بثمانى ساعات، حل مشكلة البطالة) وقد وقع على هذه المطالب نقابات عمال الدخال والأمنيبوس والتجارة والصباغة والنحاس والفنادق وعنابر السكك الحديد والطباعة والنور والمخابز والزخرفة والمحال التجارية والنسيج.
وفى 13 يونيو 1929 بدأت مجموعة من القيادات العمالية إضرابا عن الطعام تنفيذا لقرار اتخذه مجلس الاتحاد العام لنقابات العمال، جاء فيه: (أن مجلس الاتحاد العام لنقابات العمال قد اجتمع واستعرض جميع الأدوار التى مرت على جهاد العمال فى سبيل العمل على استصدار تشريعاتهم، وخصوصا قانون الاعتراف بالنقابات وقرروا الإضراب عن الطعام حتى تصدر تشريعاتهم) واستمر الإضراب خمسة أيام.. وتحت تأثير هذه الحركة أحيل مشروع قانون النقابات إلى مجلس النواب فى يوليو 1939 وتمت مناقشته فى أوائل عام 1940 وأقره المجلس فى 28 فبراير 1940 ولكنه تعطل فى مجلس الشيوخ.
مع قيام الحرب العالمية الثانية صدر امر عسكرى بوقف الإضراب وقفا مطلقا، بيد أن العمال لم يتوقف نضالهم من أجل حقوقهم ولجأوا إلى أساليب عمل جماعية أخرى مثل: تشكيل الوفود أو عقد الاجتماعات وتقديم الطلبات المشتركة التى تتضامن فيها النقابات مع بعضها.
واستمر النضال العمالى المصرى، حتى صدر القانون رقم 85 لسنة 1942 والذى يمثل صدوره مكسبا على طريق النضال العمالى الطويل والشاق حيث اعترف بالنقابات العمالية لأول مرة..وهكذا أصبح للعمال تنظيم نقابى قوى حر ومستقل لا تحكمه غير لائحته وإرادة أعضائه.